بِالنُّورَانِيَّةِ فَلَمْ يَثْبُتْ لِعَظَمَتِهَا مَنْ حَضَرَ وَنَظَرَ مِنَ الجَاحِدِينَ وَالمُنْكِرِينَ وَغُشِيَتْ أَبْصَارُهُمْ وَفَزِعُوا وَرَعِبُوا فَقَالُوا وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَذَلِكَ كَعَادَتِهِمْ دَائِمًا كُلَّمَا رَأَوْا قُدْرَةً قَاهِرَةً وَمُعْجِزَةً بَاهِرَةً نَسَبُوهَا إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ.
وَجَاءَ الأَمْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَمْرِ، إِلَى مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- أَنْ يَظْهَرَ بِالنُّورَانِيَّةِ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ﴾ أَيْ أَظْهِرْ بِالنُّورَانِيَّةِ فَظَهَرَ فَلَمْ تَثْبُتْ أَنْوَارُهُمْ لِنُورِهِ البَاهِرِ وَسَطْوَتِهِ القَاهِرَةِ فَخُبِتتْ أَنْوَارُهُمْ وَغَابُوا وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ وَالإِفْكُ هُوَ الكَذِبُ الَّذِي أَتَى بِهِ الجَاحِدُونَ المُنْكِرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا القُدْرَةَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ وَبِالإِقَامَةِ لِلْحَقِّ زَهَقَ البَاطِلُ، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
وَعَلِمَ السَّحَرَةُ أَنَّ صَاحِبَ القُدْرَةِ هُوَ إِمَامُهُمْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُمُ العَارِفُونَ حَقِيقَةَ الظُّهُورِ، وَمَا حَصَلَ فِيهِ تَلْبِيسٌ عَلَى أَهْلِ الإِفْكِ وَالزُّورِ، وَسَجَدَ السَّحَرَةُ لِلِاسْمِ الأَعْظَمِ -عَزَّ عَزُّهُ- سُجُودَ طَاعَةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾.




