وَفِي "المُجْمَعِ " عَنِ النَّبِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- : النَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى، وَأَنَا وَأَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أَيْ يُحكِّمُونَ عُقُولَهُمْ بِالتَّفَكُّرِ فَيَهْتَدُونَ إِلَى عَظَمَةِ الصَّانِعِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ البَالِغَةِ وَقُدْرَتِهِ النَّافِذَةِ وَتَدْبِيرِهِ الكَامِلِ وَلُطْفِهِ الشَّامِلِ.
أَقُولُ: وَمِمَّا وَرَدَ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الأَرْضَ هُنَا كَانَ المُرَادُ بِهَا العَقْلُ وَالنُّفُوسُ مِنْ طَيِّبَةٍ وَخَبِيثَةٍ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِهَا هَذِهِ اليَابِسَةَ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَنَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ فَالنُّفُوسُ الطَّيِّبَةُ غِذَاؤُهَا بِالعُلُومِ وَالمَعَارِفِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي بِهَا النَّجَاةُ، وَذَلِكَ بِالمَدَدِ الجَارِي وَالِاقْتِبَاسِ السَّارِي.
وَأَمَّا النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ، فَغِذَاؤُهَا مَا هُوَ زَائِلٌ مِنْ حُطَامِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وَمَا كَانَ عَلَيْهَا، وَأَظْلَمَتْ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ عُلُومِ إِبْلِيسَ الأَبَالِسَةِ وَفِرْعَوْنَ الفَرَاعِنَةِ الَّتِي بِهَا الهَلَاكُ، بِرَغْمِ وُجُودِ رَسُولٍ صَادِقٍ أَمِينٍ يَدْعُو إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَئِمَّةٍ هُدَاةٍ مَعْصُومِينَ وَهُمُ الرَّوَاسِي بِالعِلْمِ وَالحُجَجِ الوَاضِحَةِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَالبَيَانِ وَالفِقْهِ وَالعِرْفَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ.
وَاعْلَمْ أَيُّهَا الطَّالِبُ المُرِيدُ: أَنَّهُ فِي العَالَمِ الأَرْضِيِّ البَشَرِيِّ أَنْهَارٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَسْمَائِهَا وَمَوَاقِعِهَا، وَكَذَلِكَ لِعَالَمِ السَّمَاءِ أَنْهَارٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَسْمَائِهَا، وَهِيَ




