وَالنُّطْقِ مَعْنَوِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: وَأُوتِينَا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، يَعْنِي عَلِمْنَا هَذِهِ القُدْرَةَ وَمَوْقِعَ تِلْكَ الصِّفَةِ (وَالمَعْنَى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ) لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، قَالَ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾(1)
قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الخَطِيبُ فِي رِسَالَةِ "بَدِيهَةِ الأَفْكَارِ": فَالصَّرْحُ هُوَ البِنَاءُ العَالِي، وَأَمَّا الصَّرْحُ الَّذِي دَخَلَتْهُ بِلْقِيسُ المُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الكِتَابِ هُوَ البَابُ وَبِلْقِيسُ هِيَ صَفِيَّةُ الخَيْبَرِيَّةُ إِحْدَى أَزْوَاجِ الميم لِذِكْرِهِ التَّعْظِيمُ فِي هَذِهِ القُبَّةِ العَرَبِيَّةِ وَهِيَ بَابِيَّةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الصَّرْحُ، وَبِلْقِيسُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ ؟ وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَعْرِفَةِ المَظْهَرِ المُمَاثِلِ لِكَوْنِ البَابِ، وَدُخُولِ بِلْقِيسَ الصَّرْحَ مِثَالٌ لِلِالْتِمَاسِ مَعْرِفَةِ البَابِ بِتِلْكَ الأَسْبَابِ، ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ الله﴾: قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ وُجُودَهَا بَيْنَ الكُفَّارِ أَظْهَرَتِ الكُفْرَ وَاسْتَبْطَنَتِ الإِيمَانَ، وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ الحَقِيقَةِ: إِنَّ الاِسْمَ رَدَّهَا مِنَ الصِّفَةِ الصَّامِتَةِ إِلَى الصِّفَةِ البَابِيَّةِ النَّاطِقَةِ، بِحُصُولِ التَّشْرِيفِ لَهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهَا: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾




