يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾(1)
قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَةِ "غَنِيمَةِ السَّفَرِ": إِنَّ العَالِمٍ كَسَّرَ نَاحِيَةً مِنَ السَّفِينَةِ، وَهَذَا هُوَ الخَرْقُ ظَاهِرًا، قَالَ: أَيْ مُوسَى: أَرَدْتَ أَنْ تُغْرِقَ رُكَّابَهَا وَإِنَّمَا مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ وَاقِعٌ فِينَا وَفِي نُفُوسِنَا الكَدِرَةِ، لِأَنَّ العُقُولَ الصَّافِيَةَ لَا تَقْبَلُ خَرْقَ السَّفِينَةِ فِي بَحْرِ النُّورِ فَأَجَابَهُ العَالِمُ : -عَزَّ وَجَلَّ- إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ العِلْمِ مَا لَا تَعْلَمُهُ، مِمَّا لَمْ يَقْبَلْهُ عَقْلُكَ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ تَذَلُّلًا مِنْهُ وَتَوَاضُعًا لِلْعَالِمِ وَتَعْلِيمًا لَنَا نَحْنُ عَالِمَ البَشَرِ حَتَّى نَتَوَاضَعَ لِعُلَمَائِنَا، قَالَ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، قَالَ مُوسَى ذَلِكَ، لِعِلْمِهِ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ حَرَامٌ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ الغُلَامُ جِنَايَةً تُوجِبُ القَتْلَ، فَرَأَى هَذَا الفِعْلَ نُكْرًا قَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ العِلْمِ مَا لَا تَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ الثِّقَةُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ "الجَوَاهِرِ": خَرْقُهُ لِلسَّفِينَةِ مِنْ قِبَلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، إِشْفَاقًا عَلَيْهَا لِئَلَّا تَصِلَ إِلَى الصَّنَمِ فَيَأْخُذَهَا، وَالمُرَادُ أَنَّ العَالِمَ -عَزَّ عَزُّهُ- مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالمُحَادَثَةِ فِي عِلْمِ الله سُبْحَانَهُ فِي دَوْلَةِ الضِّدِّ اللَّعِينِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ وَإِشْفَاقًا.




