ابْنَةُ عِمْرَانَ أُمُّ السَّيِّدِ المَسِيحِ نِسْبَتُهَا يَتَّصِلُ بِدَاؤدَ، وَدَاؤدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى مِنَ المَقَامَاتِ المِثْلِيَّةِ كُولب وَحِزْقِيلُ وَشَمُوئِيلُ وَطَالُوتُ وَمِنْ هَذِهِ المَدَّةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ عِمْرَانَ أَبَا مَرْيَمَ غَيْرُ عِمْرَانَ أَبِي مُوسَى وَهَارُونَ وَإِنِ اتَّفَقَا فِي التَّسْمِيَةِ.
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: هَذَا قَوْلُ قَوْمِهَا لَمَّا حَمَلَتْ بِالسَّيِّدِ المَسِيحِ (وَلَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ) بَلِ اتَّهَمُوهَا أَيْ: يَا أُخْتَ هَارُونَ فِي انْقِطَاعِكِ عَنِ العِبَادَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِهِ، لِأَنَّ المُتَعَبِّدِينَ إِخْوَانُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَمَا كَانَ أَبُوكِ وَلَا أُمُّكِ زَانِيَيْنِ، وَكَيْفَ أَنْتِ تَلِدِينَ بِلَا زَوْجٍ بَعْدَ هَذِهِ العِبَادَةِ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَنْ كَلِّمُوهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا التُّهْمَةَ بِجَوَابِهِ لَهُمْ فَقَالُوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، فَقَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾(1) وَبَعْدَ النُّطْقِ فِي المَهْدِ أَظْهَرَ الكَرَامَاتِ وَالمَعَاجِزَ الخَاِرِقَةَ الَّتِي لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ المَخْلُوقِينَ أَنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَأَهْلُ الإِجَابَةِ صَدَّقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَشَهِدُوا أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَعَظَّمُوهُ وَكَرَّمُوهُ وَاعْتَقَدُوا بِالتَّسْلِيمِ بِمَعْنَاهُ الحَقِيقِيِّ لَا كَمَا يَعْتَقِدُ النَّصَارَى وَأَهْلُ الإِنْكَارِ مِنَ اليَهُودِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾(2)




