وَفِي "الجَوَامِعِ" قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ الدُّنْيَا وَلَّتْ حَذَّاءُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾: أَيْ فِي غَفْلَةٍ عَنِ الحِسَابِ مُّعْرِضُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ، وَأَتَاهُمْ رَسُولٌ لِيُذَكِّرَهُمْ بِذَلِكَ، فَظَلُّوا فِي ضَلَالَةٍ وَجَهَالَةٍ وَغَفْلَةٍ وَمَا اتَّعَظُوا وَسَمِعُوا قَوْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُمُ اسْتَهْزَأُوا مِنْهُ وَسَخِرُوا وَلَمَّا تَنَاهِي غَفْلَتُهُمْ وَفَرْطُ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي الأُمُورِ وَالتَّفَكُّرِ فِي العَوَاقِبِ، وَقَالُوا هَذَا المُذَكِّرُ مَا هُوَ إِلَّا سَاحِرٌ، وَهُوَ مِثْلُنَا بَشَرٌ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَلَكًا، وَاسْتَلْزَمُوا مِنْهُ أَنْ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الخَوَارِقِ كَالقُرْآنِ، سِحْرٌ فَأَنْكَرُوا مَضْمُونَهُ، وَإِنَّمَا أَسَرُّوا الكَلَامَ وَبِهِ تَشَاوَرُوا فِي اسْتِنْبَاطِ مَا يَهْدِمُ أَمْرَهُ وَيُظْهِرُ فَسَادَهُ لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَهُمْ يَرَوْنَ تِلْكَ الخَوَارِقَ مِنْ مَعَاجِزَ وَقُدْرَةٍ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: هَذَا سِحْرٌ وَكِهَانَةٌ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾(1)
قَالُوا: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَا أَتَانَا بِهِ سِحْرٌ وَكِهَانَةٌ فَهُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلْ هُوَ قَوْلُ شَاعِرٍ فِيهِ مِنَ الكَذِبِ مَا فِيهِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ الله فَلْيَأْتِنَا بِأَدِلَّةٍ وَبُرْهَانٍ مِمَّا




