كِنَايَةٌ عَنِ العِلْمِ النَّازِلِ مِنَ البَابِ إِلَىٰ أَهْلِ المَرَاتِبِ وَأَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ، وَالبَلْدَةُ المَيْتَةُ، هُوَ المُؤْمِنُ الظَّمْآنُ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ مَوْلَاهُ، فَإِذَا بَلَغَهُ أُمْنِيَتُهُ كَانَتْ حَيَاتُهُ بِهَا.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾(1)
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِيُّ الخَطِيبُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَتِهِ "ثَمَرَةِ الجَانِي": إِنَّ وَرَاءَ هَذَا البَحْرِ المَالِحِ الأُجَاجِ بَحْرًا عَذْبًا مَاؤُهُ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ وَهُوَ البَرْزَخُ وَفِي هَذَا البَرْزَخِ مَنْبِتُ الدُّرِّ وَاليَوَاقِيتِ وَالمَرْجَانِ مَنْ بَيْنِهَا تَخْرُجُ وَتَسْتَقِرُّ فِي سَائِرِ البِحَارِ لِيَلْتَقِطَهَا الغَوَّاصُونَ، وَفِي هَذَا مَثَلٌ عَلَىٰ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ، لِأَنَّهُمَا رَغْمَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي المَظَاهِرِ الإِنْسَانِيَّةِ وَبَعْضِ الصِّفَاتِ الحِسِّيَّةِ فَإِنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الخَاصِّيَّةِ العُظْمَىٰ، وَهِيَ بَقَاءُ المُؤْمِنِ عَلَىٰ الفِطْرَةِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الإِيمَانُ وَالمَعْرِفَةُ بِالله، وَذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، كَمَا تَغَيَّرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ مِنْ نَتَنٍ ذَلِكَ وَكَرَاهَتِهِ، وَبِذَلِكَ قَدْ بَانَ فَضْلُ أَحَدِهِمَا عَلَىٰ الآخَرِ وَإِنْ اشْتَرَكَا بِالصُّورَةِ وَالأَفْعَالِ وَالمَنَافِعِ إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي المَقْصِدِ، فَالبَاطِنُ قَصَدَهُ الصَّدْعُ عَنِ الإِيمَانِ فَهُوَ مُظْلِمٌ كَدِرٌ مِزَاجُهُ يَغْرَقُ فِي الخَبَائِثِ وَالنِّفَاقِ فَيَنْخَبُ مَاؤُهُ وَيَنْتَنُ طَعْمُهُ،




