هَذَا مِثْلُ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهًا بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا تَبْصِرَةٍ وَمِن هَذَا السَّبِيلِ الأَعْوَجِ، نَرَىٰ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا لِأَغْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَمَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ عَقَلَ الحَقَّ وَكَابَرَ اسْتِكْبَارًا أَوْ خَوْفًا عَلَىٰ الرِّئَاسَةِ، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ فِي عَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِقَرْعِ الآيَاتِ آذَانَهُمْ وَعَدَمِ تَدَبُّرِهَا فِيمَا لَهُمْ شَاهِدٌ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالمُعْجِزَاتِ، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: مِنَ الأَنْعَامِ لِأَنَّهَا تَنْقَادُ لِمَنْ يَتَعَهَّدُهَا وَتُمَيِّزُ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهَا مِمَّنْ يُسِيءُ إِلَيْهَا وَتَطْلُبُ مَا يَنْفَعُهَا وَتَجْتَنِبُ مَا يَضُرُّهَا، وَهَؤُلَاءِ لَا يَنْقَادُونَ لِرَبِّهِمْ وَلَا يَعْرِفُونَ إِحْسَانَ الرَّحْمَنِ مِنْ إِسَاءَةِ الشَّيْطَانِ، وَلَا يَطْلُبُونَ الثَّوَابَ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ المَنَافِعِ، وَلَا يَتَّقُونَ العِقَابَ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ المَضَارِّ، وَفِي هَذَا الصِّنْفِ مِنَ البَشَرِ، قَالَ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ:
فَهُمْ بِزَعْمِهِمُ الدُّعَاةُ إِلَىٰ الهُدَىٰ | وَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ مِنْهُمْ أَرْشَدُ |
أَقُولُ: وَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ هُنَا غَيْرُ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ المَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ، وَسَيَأْتِي الشَّرْحُ الوَافِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ المَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.




