فَكَانَتِ الحِكْمَةُ الإِلَهِيَّةُ فِي إِيجَادِ الخَلْقِ لِلْمَعْرِفَةِ البَاهِرةِ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ الظَّاهِرَةِ لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ فِي إِيجَادِهِمْ، وَلَا عَنْ عَبَثٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ، إِذِ الحِكْمَةُ لَا تَقْتَضِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللّهُ تَعَالَى الكَوْنَ وَأَكْمَلَ مَرَاتِبَ الوُجُودِ وَتَقَاسِيمَهُ، وَهُوَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، وَلَكِنْ كَانَ الغَرَضُ مِنْ خَلْقِهِمْ تَعْرِيفَهُمُ الثَّوَابَ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِأَدَاءِ العِبَادَاتِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ.
وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللّهِ : -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: لِيَعْبُدُونِ أَيْ لِيَعْرِفُونِي مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ المُطِيعِينَ وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ العَاصِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبِيلاً لِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ وَنَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (تَلُّشنَانٍ): فِي هَذِهِ الآيَةِ: وَالجِنُّ هُمُ الَّذِينَ جَنُوا مَعْرِفَةَ تَعَالَى، وَأَمَّا الإِنْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنِسُوا بِظُهُورِهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ الصَّدْرُ فِي كِتَابِهِ "تَارِيخِ مَا بَعْدَ الظُّهُورِ": نَفْهَمُ أَنَّ الغَرَضَ الإِلَهِيَّ الأَسْمَى مِنْ إِيجَادِ الخَلِيقَةِ وَإِمْدَادِهَا بِالإِدْرَاكِ وَالاِخْتِبَارِ هُوَ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى الكَمَالِ وَهُوَ تَمْحِيصُ العِبَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى.




