أَيْ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَمْرِ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا وَمِرْآةٌ يَتَجَلَّى لِلْمُسْتَبْصِرِ مَا يَتَجَلَّى لَهُ فِي سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ لَهُمْ قُدْرَةُ مُبْدِعِهَا عَلَى إِعَادَتِهَا قُدْرَتَهُ عَلَى إِبْدَاعِهَا، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ بَقَاءٍ وَالدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَإِنَّ الْكَافِرِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الدُّنْيَا أَبَدِيَّةٌ وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا تَكُونُ، وَيُنْكِرُونَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ وَالْحِسَابَ وَالْعِقَابَ، وَهَذَا اعْتِقَادُ الدَّهْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّه لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(1)
وَلِيَعْتَبِرْ هَؤُلَاءِ وَيَتَعَظُوا وَيَنْظُرُوا مَا جَرَى إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأَقْوَامِ وَالشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَالْمِلَلِ، أَيْنَ قَوْمُ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَمُوسَى، أَيْنَ عَادٌ وَثَمُودُ، أَيْنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، أَيْنَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ اللّه تَعَالَى، وَجَحَدُوا الْقُدَرَ وَالْمَعَاجِزَ الرَّبَّانِيَّةَ، وَصَرَفُوا الْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ، وَظَلَمُوا الْعِبَادَ وَطَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، وَكَيْفَ أَخَذَهُمُ اللّه بِالزَّلَازِلِ وَالْخَسْفِ وَالرَّجْفِ وَالْغَرَقِ، عُقُوبَةً لَهُمْ، وَأَيْنَ الْجَبَابِرَةُ وَالطَّوَاغِيتُ وَأَيْنَ




