كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾(1) أَيْ: إِنَّ المَعْنَى -عَزَّ عَزُّهُ- رَفَعَ ذِكْرَ اسْمِهِ بِالإِمَامَةِ وَالظُّهُورِ كُلِّ صُورَتِهِ وَعِنْدَ التَّشْرِيفِ صَارَ النُّطْقُ مَعْنَوِيًّا، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى نُورِ الظَّاهِرِ مِنَ الذَّاتِ الأَزَلِيَّةِ بِالمَشِيئَةِ الإِلَهِيَّةِ كَالصِّفَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي رِحَابِ البُقْعَةِ القُدْسِيَّةِ.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: فَالعُسْرُ هُوَ كَافَّةُ الأَبْدَانِ اللَّحْمِيَّةِ الدُّمَوِيَّةِ، وَاليُسْرُ هُوَ التَّخَلُّصُ مِنْهَا وَلِبْسُ الهَيَاكِلِ النُّورَانِيَّةِ حَيْثُ الصَّفَاءُ وَالحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ بِمَعْرِفَةِ بَارِئِ البَرِيَّةِ.
وَأَكَّدَ أَهْلُ العِلْمِ وَالبَيَانِ وَالفِقْهِ وَالعِرْفَانِ: إِنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ خَاصَّةً بِحَقِّ الطَّالِبِ المُرِيدِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: بِدُخُولِ هَذَا البَيْتِ المُكَرَّمِ وَالحَرَمِ المُعَظَّمِ، وَعَرَفْنَاكَ مَوْلَاكَ العَلِيَّ الأَعْلَى عَنْ طَرِيقِ سَيِّدِكَ الَّذِي أَعْطَاكَ هَذَا السِّرَّ.
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾، ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أَيْ عِنْدَمَا عَرَفْتَ مَوْلَاكَ وَاهْتَدَيْتَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاكَ غَفَرْنَا لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبُلُوغِ المَأْمُولِ وَالَّتِي كَانَتْ تَثْقُلُ كَاهِلَكَ، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أَيْ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتَ الكَلِمَةَ العَالِيَةَ وَأَصْبَحْتَ صَالِحًا لِمُخَاطَبَةِ الرِّجَالِ فَارْتَفَعَ شَأْنُكَ مِنْ مَقَامِ النِّسَاءِ إِلَى مَقَامِ الرِّجَالِ.




