وهُو مثلٌ على الْمُؤْمِنِ والْكافِرِ لِأنّهُما رغْم اشْتِراكِهِما بِالْمظاهِرِ الْإِنسانِيّةِ وبعْضِ الصِّفاتِ الْحِسِّيّةِ فإِنّهُما لا يسْتوِيانِ ولا يتساوى الْمُؤْمِنُ والْكافِرُ لِاخْتِلافِهِما فِي الْخاصِّيّةِ الْعُظْمى وهِي بقاءُ الْمُؤْمِنِ على الْفِطْرةِ الْأصْلِيّةِ الّتِي هِي الْإِيمانُ والْمعْرِفةُ بِالله الثّابِتانِ لمْ يتغيّرْ طعْمُهُما عنْهُ، كما لا تغيّرُ الْآخرُ فِي نتْنِهِ وكراهتِهِ، فقدْ بان فضْلُ أحدِهِما على الْآخرِ، وإِنِ اشْتركا بِالصُّورةِ والْأفْعالِ والْمنافِعِ، إِلّا أنّهُما اخْتلفا فِي الْقصْدِ فالْكافِرُ قصْدُهُ الصّدّ عنِ الْإِيمانِ، فهُو مُظْلِمُ كدِرٌ مِزاجُهُ يغْرقُ فِي الْخبائِثِ والنّفاق فينْخُبُث ماؤُهُ وينْتنُ طعْمُهُ، ومِنْ هذا الْمعْنى تلْحظُ أعْيُنُ الْمُسْتبْصِرِين إِنّ هذا الْمثل واقِعٌ بِالْعالِمِ الظّاهِرِ والْباطِنِ إِذْ كِلاهُما بحْرانِ، فالْعالِمُ الْباطِنُ مشْربٌ عذْبٌ حُلْوُ الْمذاقِ فُراتٌ سائِغٌ، يرْوِي سارِيهُ فيُزِيلُ عنْهُ الظّمأ، وأمّا الْعالِمُ الظّاهِرُ فهُو الْمالِحُ الْأُجاجُ الّذِي لا تقْبلُهُ الْأنفُسُ الزّكِيّةُ ولا تشْربُهُ إِلّا الْأنفُسُ السّاكِنةُ فِيهِ والنّاشِئةُ فِي مِياهِهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ بعْد تلبُّسِهِ الْباطِن يتجلّى بِجلِيّةٍ مِنْ عالِمِ الظّاهِرِ ستْرًا على الْباطِنِ.
وقال الشّيْخُ مُحمّدُ علِيُّ (الْقلعُ) فِي رِسالةِ "النّضود": فِي إِثْباتِ الْوُجُودِ فالْبحْرانِ هُنا فِي هذِهِ الْآيةِ: دلالةٌ على النُّورِ والظِّلِّ والْبرْزخُ إِشارةٌ إِلى الْمرْكزِ الْوُجُودِيِّ.




