قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾(1)
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ مُحَمَّدٌ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "الحُجَّةِ البَالِغَةِ": إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْقِعَ هَذَا الخِطَابِ فِي عَالَمِ البَشَرِ، أَيْ أَغْفَلَكُمْ وَشَغَلَكُمْ عَنْ بُلُوغِ مُنَاكُمْ، لِتَكَاثُرِ الشَّوَاغِلِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا عَنْ ذِكْرِ مَوْلَاكُمْ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ وَهِيَ الحُجُبُ الجَسَدِيَّةُ النَّاتِجَةُ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، فَتَقَلَّبَتْ بِهَا أَبْصَارُكُمْ وَصَارَتْ لَكُمْ حُجُبًا كَالقُبُورِ وَأُرختْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الحَقِّ تَعَالَى سرادق السُّتُورِ، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ثُمَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
قَالَ أَيْضًا فِي "الحُجَّةِ البَالِغَةِ": كَلَّا هُنَا: بِمَعْنَى حَقًّا وَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ صُورَةِ الإِيمَانِ، وَرُوحُهُ وَمَرَاتِبِهُ الثَّلَاثُ الَّتِي هِيَ الفِرَاسَةُ وَالمُكَاشَفَةُ وَالمُشَاهَدَةُ، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: صُورَةُ الإِيمَانِ الَّتِي يَعْرِفُ بِهَا المُؤْمِنُ وَهُوَ مَا يَأْتِي بِهِ العَبْدُ مِنَ الأَفْعَالِ الإِيمَانِيَّةِ الوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِشَرَائِعِ الأَوَامِرِ الدِّيْنِيَّةِ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: وَهِيَ مَعْرِفَةُ رُوحِ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ النُّورُ المَشْرُقُ مِنْ جِهَةِ الحَقِّ عَلَى أَهْلِ العِرْفَانِ.




