مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام - أبي بكر أحمد الإصفهاني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 170 من 349

الدجى ، وداعيا إلى المحجة العظمى ، ومستمسكا بالعروة الوثقى ، وساميا إلى الغاية القصوى ، وعالما بما في الصحف الاولى ، وعاملا بطاعة الملك الأعلى ، وعارفا بالتأويل والذكرى ، ومتعلّقا بأسباب الهدى ، وحائدا عن طرقات الردى ، وساميا إلى المجد والعلى ، وقائما بالدين والتقوى ، وسيّد من تقمّص وارتدى بعد النبيّ المصطفى ، وأفضل من صام وصلّى ، وأفضل من ضحك وبكى ، وصاحب القبلتين ، فهل يساويه مخلوق يكون أو كان ، كان والله ، للأسد قاتلا ، ولهم في الحرب حائلا ، على مبغضيه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد. (1)

246. ابن مردويه ، عن ضرار نحو حديث ابن عباس في مدح عليّ بن أبي طالب ، أو أبلغ من ذلك. (2)

__________________

(1) الطرائف ، ص 507.

(2) نفس المصدر ، ص 508.

روى حديث ضرار عدد غفير من أئمة الحديث والأدب ، منهم : أبو عليّ القالي في أماليه (ج 2 ، ص 143) ، وابن عبد البر في الإستيعاب المطبوع بهامش الإصابة (ج 3 ، ص 44) ، والزمخشري في ربيع الأبرار (ج 1 ، ص 835) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (ج 1 ، ص 84) ، واللفظ له ، قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال له : صف لي عليّا. فقال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ، قال : لا أعفيك. قال : أما إذا لا بد فإنّه كان والله ، بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا يا ربّنا يتضرع إليه ثمّ يقول للدنيا : إليّ تغرّرت ، إليّ تشوّفت ، هيهات هيهات ، غرّي غيري ، قد بتتك ثلاثا ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق.

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشّفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء. فقال : كذا كان أبو حسن رحمه ‌الله! كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ دمعتها ، ولا يسكن حزنها. ثمّ قام فخرج.

الصفحة 170 من 349