منهما أنّ استنباط الأحكام النظرية ليس شغل الرعيّة ، بل علينا أن نلقي إليهم نفس أحكامه تعالى بقواعد كلّية وعليهم استخراج الامور (1) الجزئية عن تلك القواعد الكلّية ، مثال ذلك قولهم عليهم السلام : « إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام » (2) وقولهم عليهم السلام : « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه » (3) وقولهم عليهم السلام : « الشكّ بعد الانصراف لا يلتفت إليه » (4) وقولهم عليهم السلام : « ليس ينبغي لك أن تنقض يقينا بشكّ أبدا وإنّما تنقضه بيقين آخر » (5) *.
وهنا فائدة شريفة :
هي أنّ الأنظار العقلية قسمان :
قسم يكون تمهيده مادّة الفكر فيه بل صورته أيضا من جانب أصحاب العصمة ، وقسم لا يكون كذلك.
فالقسم الأوّل : مقبول عند الله تعالى مرغوب إليه ، لأنّه معصوم عن الخطأ.
والقسم الثاني : غير مقبول ، لكثرة وقوع الخطأ فيه. وإثبات النبيّ صلى الله عليه وآله رسالته على الامّة إمّا من باب أنّه من باب بعد الاطّلاع على معجزته يحصل القطع بدعواه بطريق الحدس كما يفهم من الأحاديث ، أو من القسم المقبول من النظر والفكر ، واستخراج الرعيّة الفروع من القواعد الكلّية المتلقّاة منهم عليهم السلام من هذا القسم
* الّذي يظهر من لفظ « التفريع » واستعماله أنّ المراد به غير ما ذكره المصنّف ، لأنّ الكلّي الصادق على جزئيّات معلومة مثل ما ذكره من الأمثلة غير محتاج إلى تفريع ولا إلى بيان. والمناسب بمعنى التفريع هو الاستنباط والاستخراج من دلائل اللفظ بالفحوى أو الالتزام أو دلالة عرفيّة أو عاديّة أو مجازيّة ، ونحو ذلك. وهذا معنى الاجتهاد ، إذ ليس كلّ مكلّف له أهليّة التفريع حتّى يكون عليه ذلك. فعلم أنّهم عليهم السلام إنّما أرادوا من له قدرة على ذلك ، وكان المصنّف غنيّا عن إيراد هذين الحديثين ، ولكن الحقّ يزهق الباطل.
__________________
(1) ط : الصور.
(2) عوالي اللآلي 3 : 466 ، ح 17.
(3) التهذيب 1 : 79 ، ح 72.
(4) التهذيب 2 : 348 ، ح 31.
(5) التهذيب 1 : 8 ، ح 11.




