أَقُولُ: إِنَّ مُرَادَهُ بِالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ هُنَا هُوَ ظُلْمَتُهُ وَنُورُهُ الكَائِنَانِ مِنْ قِبَلِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ لَا مِنْ قِبَلِ ذَاتِهِ تَعَالَى الَّتِي تُرِينَا بِقُدْرَتِهَا تَصْوِيرَهَا وَنَفْيَهَا وَإِثْبَاتَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ عَلَى دَوَامِ الدَّهْرِ لِنَعْلَمَ يَقِيناً أَنَّهَا هِيَ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ وَلَا هِيَ هُوَ فِي الجِنْسِ وَالمَنْظَرِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنْهُمَا مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: «أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ»(1) أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ الَّتِي لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ.
وَأَنَّهُ تَعَالَى إِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا كَمَا أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا فِي دِيوَانِهِ فَإِنَّهُمَا إِذاً لَمْ يَكُونَا ثَابِتَيْنِ عَلَيْهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ فَإِنَّ الصِّفَةَ البَشَرِيَّةَ لَمْ تَكُنْ إِذاً ثَابِتَةً تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّوَادَ وَالبَيَاضَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الظُّلْمَةِ وَالنُّورِ اللَّذَيْنِ هُمَا الصِّفَاتُ الهَبَقِيَّةُ وَالصِّفَاتُ الطَّشَشِيَّةُ هُمَا تَشْبِيهٌ مِنْ قِبَلِ تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ.
وَإِنَّ التَّشْبِيهَ مَنْفِيٌّ عَنِ المَعْنَى الَّذِي لَمْ نَرَهُ إِلَّا بِهِ، لِأَنَّ التَّشْبِيهَ مِنْ جِهَةِ عَجْزِ المَخْلُوقِ العَاجِزِ لَا مِنْ جِهَةِ القَادِرِ عَلَى تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ بِقُدْرَتِهِ وَظُهُورِهِ كَمَا يَشَاءُ بِإِرَادَتِهِ.
وَإِنَّ نَفْيَ شَيْخِنَا لَهُمَا هُنَا فِي دِيوَانِهِ شِعْراً كَنَفْيِهِ لَهُمَا نَثْراً بِقَوْلِهِ: إِنَّ المَعْنَى




