أَنْ يَكُونَ صِفَةً وَلَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّنَا مَا كُنَّا قَادِرِينَ أَنْ نَرَاهُ وَلَا نَعْرِفَهُ وَلَا نُثْبِتَ وُجُودَهُ، كَمَا أَنَّنَا لَوْلَا الأَسْمَاءُ فَإِنَّنَا مَا كُنَّا قَادِرِينَ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِ وَنَعْبُدَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤىِٕ حِجَابٍ﴾(1)، وَقَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾(2).
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ هُوَ مَا صَرَّحَ لَنَا بِهِ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي كِتَابِ الأُسُوسِ: «قَالَ السَّائِلُ: فَكَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟، قَالَ العَالِمُ: لِحَاجَةِ المَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ».
وَسَأَعُودُ إِلَى مَا كُنْتُ أَقْصِدُهُ فَأَقُولُ: وَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأَقْوَالِ فِي تَنْزِيهِ البَارِي تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ النُّورِ كَتَنْزِيهِهِ عَنْ صِفَاتِ البَشَرِ هِيَ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ.
وَكَذَلِكَ الأَقْوَالُ الدَّالَّاتُ عَلَى أَوْصَافِهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ النُّورِ وَالبَشَرِ فَإِنَّهَا أَيْضاً كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ اخْتِلَافَهَا لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ اللَّذَيْنِ لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ، وَإِلَّا يَكُونُ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى كُلٌّ مِنْهُمَا يُكَذِّبُ الآخَرَ، فَتَنَبَّهُوا لِهَذَا المَعْنَى وَافْهَمُوهُ، وَإِلَّا يَكُونُ دِينُكُمْ حُجَّةً عَلَيْكُمْ لَا حُجَّةً مَعَكُمْ، لِأَنَّكُمْ إِنْ كَذَّبْتُمْ أَحَدَ القَوْلَيْنِ فَقَدْ كَذَّبْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى، وَالَّذِي يُكَذِّبُ اللَّهَ




