﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَ﴾(1).
وَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ بِالحَدِّ المَجْهُولِ بَلْ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّفَهُمْ بِالحَدِّ المَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ ظُهُورَاتُهُ لِمَخْلُوقَاتِهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِمْ فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ، وَكَلَّفَهُمْ أَنْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَعَنْ جَمِيعِ صِفَاتِهِ.
لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ جِهَتِهِ الَّتِي هِيَ الحَدُّ المَجْهُولُ لَيْسَ لِلْقَائِلِ فِيهَا مَقَالٌ وَأَمَّا صِفَاتُ الحَدِّ المَعْرُوفِ الَّذِي يَرَاهُ بِهِ المَخْلُوقَاتُ فَإِنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى المَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهَا هِيَ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ وَلَا هِيَ هُوَ فِي الجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالمَنْظَرِ، لِأَنَّهَا تَشْبِيهٌ مِنْ قِبَلِ المَخْلُوقَاتِ النُّورَانِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الصِّفَاتِ البَشَرِيَّةَ الَّتِي رَأَيْنَاهُ بِهَا هِيَ تَشْبِيهٌ مِنْ قِبَلِ المَخْلُوقَاتِ البَشَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالنُّورِ وَالبَشَرِ، كَمَا يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ بِنَارِ مُوسَى، كَمَا يَجِلُّ المَسِيحُ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنِ التَّشْبِيهِ وَالقَتْلِ وَالصَّلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ﴾(2).
تَنْبِيهٌ: لَا يَظُنَّ القَاصِرُ الفَهْمِ أَيِ الأَحْمَقُ البَلِيدُ بِأَنَّ المَعْنَى القَدِيمَ نَوْعَانِ أَيْ نَوْعٌ ظَاهِرٌ وَنَوْعٌ بَاطِنٌ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الكُفْرُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا ذَاتاً وَاحِدَةً لَمْ يَتَجَزَّأْ وَلَمْ يَتَبَعَّضْ وَلَمْ يَحِلَّ عَنْ كِيَانِهِ، وَإِنَّ البَاطِنَ هُوَ الظَّاهِرُ




