مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الدلائل الحسنى على المثل الاعلى وتنزيه المعنى - الشيخ حبيب عيد الصالح

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 21 من 159

وَإِنَّ العُقُولَ تَتَفَاضَلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ كَمَا يُقَدِّرُهُ بِعَقْلِهِ فَإِنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ مَحْدُوداً بِحَدِّ اسْتِطَاعَةِ عَقْلِهِ، وَإِنَّ العَقْلَ الَّذِي أَفْضَلُ وَأَقْدَرُ مِنْ عَقْلِهِ قَدْ يُقَدِّرُهُ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيرُ عَقْلِ الأَكْبَرِ بِخِلَافِ الأَصْغَرِ فَيَكُونُ البَارِي تَعَالَى بِخِلَافِ هَذَا التَّقْدِيرِ أَوْ يَكُونُ رَبُّ العَقْلِ الأَكْبَرِ بِخِلَافِ رَبِّ العَقْلِ الأَصْغَرِ، لِأَنَّ العُقُولَ عَلَى دَرَجَاتٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَٰتࣲ﴾(1)

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ كَمَا تُقَدِّرُهُ العُقُولُ لَكَانَتِ العُقُولُ مُحِيطَةً بِهِ وَأَمْكِنَةً لَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجِلُّ عَنِ الأَيْنِيَّاتِ وَالكَيْفِيَّاتِ وَالمَاهِيَّاتِ، بَلْ أَنَّهُ يُلْهِمُ العُقُولَ مَعْرِفَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ، وَيُرِي الأَبْصَارَ وَجُودَهُ فِي قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَرَاكٍ، لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَقَدْ دَلَّنَا مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الوَصْفِ بِالأَلْسُنَةِ وَعَنِ الحَصْرِ بِالأَمْكِنَةِ بِقَوْلِهِ: «لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَصِفُهُ لِسَانٌ»(2).

وَقَدْ دَلَّنَا تَعَالَى عَلَى هَذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(3) وَقَوْلِهِ: ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا یَقُولُونَ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا﴾(4).

الهوامش

1الزخرف ٣٢
2نهج البلاغة ١٧٨
3الصافات ١٨٠
4الإسراء ٤٣
الصفحة 21 من 159