لَهُمُ اللَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمۡ مُظۡلِمُونَ﴾(1).
وَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَضْرِبْ لَنَا هَذَا المَثَلَ المَارَّ ذِكْرُهُ فِي آيَةِ النُّورِ إِلَّا لِنَتَفَكَّرَ بِمَا يَقْصِدُهُ لَنَا بِهِ تَعَالَى وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فَائِدَةٌ أَبَداً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾(2).
وَقَدْ أَشَارَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ جَابِرٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- تَعَالَى إِلَى هَذَا المَعْنَى فِي رِسَالَتِهِ بِقَوْلِهِ: «فَلَمَّا حَصَلَتْ تِلْكَ المَعَارِفُ لِأَرْبَابِ النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ رَتَّبُوهَا لِمَنْ دُونَهُمْ بِأَلْفَاظٍ وَعِبَارَاتٍ وَإِشَارَاتٍ وَأَمْثَالٍ عَلَى قَدَرِ مُسْتَمِعِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْهَمُ تِلْكَ المَعَارِفَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَرِّرَهَا بِالحُرُوفِ المُعْجَمَةِ وَيُشَاهِدَ أَمْثِلَتَهَا بِالأَشْكَالِ المَحْسُوسَةِ، كَالمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ العَالِمُ: إِنَّ المَعْنَى ظَهَرَ فِي صُورَةِ شَابٍّ مَفْتُولِ السِّبَالِ رَاكِباً عَلَى أَسَدٍ فِي صُورَةِ الإِنْسَانِ.
وَكُلُّ ذَلِك تَقْرِيباً عَلَى النَّاقِصِينَ عَنْ دَرَجَةِ الكَمَالِ وَالمَعْرُوفِ بِالمَحْسُوسِ دُونَ المَعْقُولِ فِي دَارِ الفَنَاءِ وَالزَّوَالِ، وَمِنَ المُسْتَمِعِينَ مَنْ تَكُونُ نَفْسُهُ كَالمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ، فَتَنَطْبِعُ بِهَا صُوَرُ المَوْجُودَاتِ وَتَسْتَغْنِي عَنْ ضَرْبِ المِثَالَاتِ، فَمَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ ضَرْبَانِ: أَمَّا أَرْبَابُ النُّفُوسِ الصَّافِيَةِ التَّامَّةِ فَإِنَّهُمْ يُدْرِكُونَ الحَقَائِقَ بِصَفَاءِ عُقُولِهِمْ وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ذَلِك مَحْسُوساً




