أَمَّا المُرَاجَعَاتُ، كَمَا سَتَرَى فَإِنَّهَا دِرَاسَةٌ تَارِيخِيَّةٌ لِلْمَوْضُوعِ تَجْعَلُ القَارِئَ يُرَافِقُ القَضِيَّةَ بِجَمِيعِ أَدْوَارِهَا مِنْ مُبْتَدَاهَا إِلَى مَا قُبَيْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ، وَسَتَتَعَرَّفُ مِنْهَا عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، كَأَنْ تَعْلَمَ مَدَى ثَقَافَةِ عُلَمَاءِ الشَّعْبِ العَلَوِيِّ، وَفَهْمِهِمْ لِأُمُورِ الدِّينِ عَامَّةً، وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَتُهُمُ الأَخْلَاقِيَّةُ، وَمِقْدَارُ مَتَانَةِ أَوَاصِرِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَوْ بِالأَحْرَى تَفَكُّكِهَا.
وَسَتَعْلَمُ أَيْضًا الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِمَّا قَامَ فِي هَذَا المَذْهَبِ مُنْذُ نَشْأَتِهِ مِنْ بِدَعٍ وَاخْتِلَافَاتٍ، لِأَنَّ الجَدَلَ أَجْبَرَ الكَثِيرِينَ لِأَنْ يَلْجَأُوا إِلَى الِاحْتِجَاجَاتِ القَدِيمَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُتَشَابِهَةِ فَالْتَقَى أَهْلُ البِدْعَةِ الحَدِيثُونَ، وَأَهْلُ البِدَعِ القَدِيمَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.
أَمَّا الرِّسَالَةُ: فَهِيَ النَّتِيجَةُ اللَّازِمَةُ لِكُلِّ هَذِهِ المَبَاحِثَاتِ، وَالمُرَاجَعَاتِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ تَصْفِيَةِ، وَتَخْلِيصِ لِهَذَا المَذْهَبِ مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ، وَإِيضَاحِ وَتَأْكِيدِ لِنُقَطِهِ الهَامَّةِ، وَمِيزَانٍ يَأْمَنُ مَعَهُ صَاحِبُهُ الخَطَأَ وَالخَطَلَ فِي تَعَرُّفِ المَنَهَجِ القَوِيمِ لِمَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- هَذَا الصَّدْرِ العَظِيمِ.
وَقَدْ عَدَلَ بِهَا عَنْ طَرِيقَةِ الجَدَلِ المَتَّبَعَةِ فِي المُرَاجَعَاتِ إِلَى طَرِيقَةِ العَرْضِ وَالتَّقْرِيرِ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ فِي مُسْتَهَلِّهَا: إِنِّي بَعْدَ إِطَالَةِ التَّفْكِيرِ وَإِمْعَانِ




