فَالحَقُّ -جَلَّ جَلَالُهُ- ، وَهُوَ الغَيْبُ المَنِيعُ المَمْنُوعُ الإِحَاطَةِ وَالإِدْرَاكِ وَأَشَدُّ المُغَيَّبَاتِ خَفَاءً لَا يُدْرِكُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَوْ ظَهَرَ بِذَاتِهِ كَشْفاً لَتَلَاشَتِ الكَائِنَاتُ دَكّاً، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الثَّبَاتِ لِعَظَمَةِ تَجَلِّيهِ، فَلَوْ ظَهَرَ المَعْبُودُ فِي كُلِّ ذَاتِهِ تَبَادَرَتِ الأَجْسَامُ مُحْتَرِقَاتٍ وَقَالُوا:
تَاللَّهِ لَا مُوسَى الكَلِيمُ وَلَا المَسِيحُ وَلَا مُحَمَّدُ | |
كَلَّا وَلَا جِبْرِيلُ وَهُوَ إِلَى مَحَلِّ القُدْسِ يَصْعَدُ | |
عَرَفُوا وَلَا النَّفْسَ البَسِيطَةَ لَا وَلَا العَقْلَ المُجَرَّدَ | |
مِنْ كُنْهِ ذَاتِكَ غَيْرَ أَنَّكَ أَوْحَدِيُّ الذَّاتِ سَرْمَدْ |
وَمَعَ هٰذَا كُلِّهِ فَوُجُودُهُ عِنْدَ أَرْبَابِ هٰذَا المَذْهَبِ مِنْ أَوَضَحِ الوَاضِحَاتِ وَهٰكَذَا العَرْشُ وَالكُرْسِيُّ وَالمَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (1)
وَكَذٰلِك الجَنَّةُ وَالنَّارُ، دَرَجَاتُهَا وَدَرَكَاتُهَا، وَمِثْلُ ذٰلِكَ فِي الخَفَاءِ رئيس عُنْصُرِ الظُّلْمَةِ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَأَبْوَابِهِ وَأَيْتَامِهِ، مِمَّا فَصَّلُوهُ وَفَسَّرُوهُ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ المَجِيدِ.




