مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

المراجعات - الشيخ سُلَيْمَانَ الأَحْمَد

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 304 من 529

المَتَفَاضِلَةِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِإِزَاءِ تَفَاضُلِ أَرْبَابِ الأَفْكَارِ، بَلْ إِنَّمَا تَسَابُقُ تِلْكَ الصِّفاتِ المَحْدُودَاتِ وَالأَسْمَاءِ اللَّفْظِيَّاتِ وَتَلَاحُقُهَا وَتَقْدِيمُهَا وَتَأْخِيرُهَا لَهُوَ مِنْ جِهَةِ تَسَابُقِ التَّكْوِينِ، وَتَلَاحُقِهِ وَتَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ تَعَالَى الَّتِي لَا لِلْقَائِلِ فِيهَا مَقَالٌ وَلَا حَدَّ تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ.

وَسَأَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا فِي ذَٰلِكَ هُوَ أَنَّهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- لَمَّا كَوَّنَ الأَكْوَانَ النُُّورَانِيَّةَ وَقَدْ رَأَوْهُ بِالوُجُودَاتِ النُُّورَانِيَّةِ، وَلَمَّا كَوَّنَ الأَكْوَانَ البَشَرِيَّةَ قَدْ رَأَوْهُ بِالوُجُودَاتِ البَشَرِيَّةِ وَمَا يُمَاثِلُهَا مِنَ الوُجُودَاتِ النُُّورَانِيَّةِ.

وَأَنَّهُ لِتَقْدِيمِ تَكْوِينِ العَوَالِمِ النُُّورَانِيَّةِ عَلَى تَكْوِينِ العَوَالِمِ البَشَرِيَّةِ صَارَ يُطْلَقُ القَوْلُ عَلَى الظُُّهُورِ النُُّورَانِيِّ بِأَنَّهُ قَبْلَ الظُُّهُورِ البَشَرِيِّ وَأَنَّهُ تَعَالَى بِالحَقِيقَةِ لَا نُورٌ وَلَا بَشَرٌ، وَلَا يَسْبِقُ لَهُ حَالٌ حَالًا، لِأَنَّهُ هُوَ الخَالِقُ لِكُلِّ حَالٍ وَكُلِّ نُورٍ وَكُلِّ بَشَرٍ، بَلْ يَرَاهُ كُلُُّ كَوْنٍ كَكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ بِهِ.

وَإِنَّ التَّكَلُُّمَ بِالتَّسَابُقِ وَالتَّلَاحُقِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ التَّكْوِينِ المَارِّ ذِكْرُهُ، لَا مِنْ جِهَتهُ تَعَالَى، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَهُمْ بِالنُُُّورِ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ بِالبَشَرِ، وَالظَّاهِرَ بِالظَُُّلْمَةِ هُوَ الظَّاهِرُ بِالنُُُّورِ(1) وَالظَّاهِرَ بِالزِّيَادَةِ هُوَ الظَّاهِرُ

الهوامش

1هَٰذِهِ الكَلِمَةُ مِثْلُ كَلِمَةِ نُورٍ وَظُلْمَةٍ لَمْ تَرِدْ كِلْتَاهُمَا فِي كِتَابٍ وَلَا فِي دِينٍ مِنَ الأَدْيَانِ مُنْذُ إِنْزَالِ التَّوْرَاةِ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي قِيلَتَا فِيهَا، فَقَدْ قَالُوا اللَّهُ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ مَا لَا يُحْصَى مِنَ القَوْلِ، إِلَّا أَنَّهُ نُورٌ لَا كَالْأَنْوَارِ، وَكَوْنُهُ لَا نُورٌ وَلَا ظُلْمَةٌ مِثْلُ كَلِمَةِ لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، غَيْرُ مَعْقُولَةٍ. وَمَا سَمِعْنَا أَنَّ اللَّٰهَ يَظْهَرُ بِغَيْرِ ذَاتِهِ لَا لِنُورٍ وَلَا لِبَشَرٍ، وَقَدْ كَرَّرَ هَٰذِهِ الجُمْلَةَ لِتَقْرِيرِهَا فِي الذِّهْنِ، وَسَتَبْقَى هَٰذِهِ الكَلِمَةُ نُقْطَةً سَوْدَاءَ فِي تَارِيخِ هَٰذَا العَالَمِ مَا دَامَتْ تُتْلَى عَلَى مَسْمَعِ مَنْ يَفْهَمُ، كَمَا بَقِيَتْ أُخْتُهَا فِي تَارِيخِ غَيْرِهِ.
الصفحة 304 من 529