وَالشَّطْرُ الثَّانِي: وَهُوَ الإِنْسَانُ الجَدِيدُ الَّذِي شَعَرْتُ بِهِ يُولَدُ فِي كِيَانِي وَيَنْمُو وَيَهِمُّ وَتَسَاوَرُهُ هُمُومٌ لَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَيْهَا مِنْ قَبْلُ، وَلَا كَانَ بِالإِمْكَانِ أَنْ يَتَصَوَّرَهَا.
أَجَلْ، لَقَدِ انْخَلَعَ مِنْ نَفْسِي يَوْمَ فَارَقَنَا كُلُّ مَا يَشْعُرُ بِلَذَّةِ الِاطْمِئْنَانِ وَنِعْمَةِ الأَمَانِ، إِذْ كَانَ لَنَا الكَهْفَ الَّذِي نَلْتَجِئُ إِلَيْهِ، وَالمَأْمَنَ الَّذِي نَأْوِي إِلَى أَكْنَافِهِ مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَوَادِي الزَّمَانِ، وَتَرَبَّعَ فِيهَا وَحْشَةٌ وَرَهْبَةٌ وَحْشَةٌ إِذْ خَلَا النَّدِيُّ مِنَ الأَنِيسِ وَالنَّاصِحِ، وَرَهْبَةٌ إِذْ أَلْفَيْتُ نَفْسِي كَالوَحِيدِ فِي مُجَابَهَةِ تَيَّارَاتِ الحَيَاةِ وَمُنَازَعَتِهَا عَوَامِلَ البَقَاءِ.
وَكَانَ أَثْقَلَ الأَحْمَالِ عِبْئًا أَنِّي شَعَرْتُ فِي كَوَامِنِ نَفْسِي نِدَاءً يَدْفَعُنِي لِأَنْ أَتَحَمَّلَ هُمُومَهُ، وَأُنْجِزَ مَا كَانَ يَخْتَلِجُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الآمَالِ وَالأَحْلَامِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَصَّنِي فِي حَيَاتِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ العِبَارَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّلُ أَنْ أَحْمِلَ يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ أَمَانَتَهُ، وَأُؤَدِّيَ رِسَالَتَهُ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ أَحْفَظَهَا نَاصِعَةً خَالِيَةً مِنَ الرَّيْبِ.
لِذَلِكَ مَا إِنِ انْقَضَتِ الأَيَّامُ القَلَائِلُ عَلَى مُجَاوَرَتِهِ رَبَّهُ حَتَّى شَعَرْتُ بِأَنَّ كُلَّ تَفْكِيرِي وَمَدَارَ حَيَاتِي كَأَنَّهُمَا وَقْفٌ عَلَى اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهِ وَجِهَادِهِ وَبَعْثِ




