حَالًا فَيَكُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرًا، وَيَكُونَ ظَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِنًا وَبِالعَكْسِ بَلْ لَيْسَ تِلْكَ الأَحْوَالُ المَتَحَوِّلَةُ، وَالصِّفَاتُ المَتَنَوِّعَةُ وَكَافَّةُ الحَالَاتِ الزَّائِلَةُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ظُلْمَةِ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي يَرَاهَا النَّاظِرُ فِي المَاءِ الصَّافِي هِيَ مِنْ قِبَلِهِ لَا مِنْ قِبَلِ المَاءِ وَكَمَا أَنَّ هَٰذَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا حَقِيقَةَ لَهُمَا إِلَّا مِنْ قِبَلِ غِيَابِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا الكَائِنَانِ مِنْ قِبَلِ أَعْيُنِ ظُلْمَةِ نَوْعَيِ الجَسَدِ وَالرُّوحِ المَمْثُولَانِ بِالبُطُونِ وَالظُُّهُورِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- قَدْ ضَرَبَ لَنَا المَثَلَ بِتَحْوِيلِ عَصَا مُوسَى مِنْ صُورَةِ العَصَا إِلَى صُورَةِ الحَيَّةِ، وَمَا هِيَ إِلَّا العَصَا لِإِعَادَتِهَا سِيرَتَهَا الأُولَى، وَبِتَحْوِيلِ اليَدِ البَيْضَاءِ، وَبِتَقَلُّبِ أَعْيُنِ النَّاسِ لِسِحْرِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ، وَبِتَقَلُّبِ أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ -جَلَّ جَلَالُهُ- الَّتِي أَظْهَرَتْ تَحْوِيلَ العَصَا لِلْأَعْيُنِ بِصِفَةِ الثُُُّعْبَانِ لِتَلْقَفَ سِحْرَهُمْ، وَذَٰلِكَ لِنَعْلَمَ حَقِيقَةَ العِلْمِ بِأَنَّهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- قَادِرٌ عَلَى تَقَلُُّبِ العُيُونِ بِقُدْرَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ السَّحَرَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ هَٰذِهِ التَّحْوِيلَاتِ مِنْ قِبَلِ تَقَلُُّبِ الأَعْيُنِ(1) لَا مِنْ ذَاتِ المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَاهُ العُيُونُ لِأَنَّ كُلَّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ غَيْرُ بَاطِنٍ، وَكُلَّ بَاطِنٍ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.




