وَقَوْلُهُ وَالغَيْبُ مَحْتَجِبٌ بِالظُّلْمَةِ(1) يَعْنِي بِالغَيْبِ هُوَ المُتَجَرِّدُ عَنِ الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ وَالصِّفَاتِ الكَوْنِيَّةِ، وَالظُّلْمَةُ هِيَ الصِّفَةُ المَشْهُودَةُ فِي عُيُونِ النَّاظِرِينَ "تَرَى مَاذَا يَعْنِي بِالظُّلْمَةِ المَشْهُودَةِ أَلَيْسَ يُشِيرُ إِلَى المَحْوِ المُشَاهَدِ فِي الصُّورَةِ وَهُوَ عِلَّةٌ
الهوامش
1قَوْلُهُ وَالغَيْبُ مَحْتَجِبٌ بِالظُّلْمَةِ، الغَيْبُ هُوَ ذَاتُ المَشْهُودِ وَاحْتِجَابُهُ بِالظُّلْمَةِ هِيَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الأَسْتَارِ الظَّلْمَانِيَّةِ مِثْلَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالبَوْلِ وَالغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الخَمْسَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ مِنْ قِبَلِ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ وَالمِزَاجِ الفَاسِدِ الَّذِي رَانَ عَلَى البَصَائِرِ وَالأَبْصَارِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّ هٰذِهِ الصُّورَةَ الأَنْزَعِيَّةَ هِيَ الذَّاتُ العُظْمَى وَالغَيْبُ المَنِيعُ هٰكَذَا تَحْجُبُ الظُّلْمَةُ النُّورَ وَمَعْنَى أَنَّ الظُّلْمَةَ مَحْتَجِبَةٌ بِالنُّورِ فَهُوَ مِثْلُ إِظْهَارِ القَدَرِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالمَعَاجِزِ الإِلٰهِيَّةِ تَنَوَّرُ بَصَائِرُ أَهْلِ الإِيمَانِ وَالإِقْرَارِ فَيَعْرِفُونَ مِنْ هٰذِهِ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ تِلْكَ صُورَتَهُ فَيَكُونُ نُورُ الإِيمَانِ حَجَبَ عَنْهُمْ ظُلْمَةَ الشَّكِّ فَأَوْقَعُوا هٰذِهِ الصِّفَاتِ بِمَنْ هِيَ لَائِقَةٌ بِهِمْ وَتَحَقَّقُوا أَنَّهَا مِنْ تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ كَمَا أَخْبَرَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَهُوَ أَصْدَقُ القَائِلِينَ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. الأنعام الاية ١١٠ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ الأنعام الاية ٩ ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الأعراف الاية ١٩٨ أَيْ لَا يَعْرِفُونَ مَكَانَتَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنَ اَللّٰهِ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ المؤمنون الاية ٣٤ وَالصُّورَةُ مِنْ أَعْظَمِ الحُجُبِ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ هٰكَذَا احْتِجَابُ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةِ بِالنُّورِ لِأَنَّهَا سَدَّاً مَضْرُوبَاً دُونَهُ يَعْجِزُ أَنْ يَخْرِقَهَا وَهِيَ الَّتِي تَفْنَى بِوُجُودِهِ وَأَيُّ ظُلْمَةٍ تَحْجُبُ هٰذَا النُّورَ البَاهِرَ الَّذِي يَعْشِي النَّوَاظِرَ وَهُوَ مِنْ نُورِ نُورِ قِدَمِهِ الَّذِي هُوَ نُورُ الذَّاتِ العُظْمَى الَّتِي لَيْسَتْ غَيْرَ نُورِهَا وَهٰذَا كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي مَاهِيَّةِ اَللّٰهِ الَّذِي هُوَ نُورُ الأَنْوَارِ: وَاَللّٰهُ مُحْتَجِبٌ فِي خَمْسَةٍ شُبِّهَتْبِالأَبِ وَالأُمِّ وَالأَزْوَاجِ وَالوَلَدِإِلَى آخِرِ الخَمْسَاتِ نَعَمْ إِنَّ ظُلْمَةَ الأَنَفَةِ وَالهَوَى عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الأُمَّةِ تَحْجُبُ نُورَ الإِيمَانِ أَنْ يَصِلَ إِلَى القَلْبِ المَتَشَبعِ بِهَا فَالَّذِي يُسَلَّمُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَفْتَاتُ عَلَيْهِمْ بِتَفْسِيرِ كَلَامِهِمْ بِدُونِ رِوَايَةٍ عَنْهُمْ وَيُوقِنُ بِأَنَّ مَنْ هٰذِهِ قُدْرَتُهُ لَيْسَتْ تِلْكَ صُورَتُهُ، فَإِنَّ النُّورَ حَجَبَ عَنْهُ الظُّلْمَةَ وَآتَاهُ اَللّٰهُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَعَكْسُهُ بَلْ نَقِيضُهُ تَحْجُبُ الظُّلْمَةُ عَنْهُ النُّورَ نُورَ الإِيمَانِ فَيَكُونُ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا فَاَللّٰهُ تَعَالَى يُزِيلُ هٰذِهِ الظُّلْمَةَ الكَثِيفَةَ عَنْ أَبْصَارِ وَبَصَائِرِ هٰؤُلَاءِ الإِخْوَانِ وَيَشْرَحُ صُدُورَهُمْ بِنُورِ الإِيمَانِ وَيَجْعَلُ لَهُمْ نُورَاً يَمْشُونَ بِهِ فِي النَّاسِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ التَّأْوِيلِ وَالقِيَاسِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِانْعِكَاسِ إِلَى التَّسْلِيمِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَئِمَّةِ الهُدَى وَعَدَمِ التَّهَجُّمِ وَالِافْتِيَاتِ عَلَى أَقْوَالِهِمْ بِالرَّأْيِ وَالهَوَى فَيَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّهِمْ وَلَا يُفَسِّرُونَ كَلَامَ اَللّٰهِ وَالمَوَالِي مِنْ عِنْدِهِمْ. وَالحُجُبُ الظَّلْمِيَّةُ السَّبْعَةُ شَرَحَهَا "الرَّدَّادُ" وَغَيْرُهُ مِنْ نَفْسِ الحُجُبِ وَالأَنْوَار بِأَنَّهَا الأَبُ وَالأُمُّ وَالزَّوْجَةُ وَالعَمُّ وَالعَمَّةُ وَالخَالُ وَالخَالَةُ وَلَيْسَ لَنَا إِذَا لَمْ نَعْرِفْ تِلْكَ الحُجُبَ وَالِاحْتِجَابَاتِ المَذْكُورَةِ أَنْ نَجْعَلَهَا إِلٰهَاً مُتَقَدِّمَاً، وَإِذَا لَمْ يَرِدْ تَفْسِيرُهَا عَنْهُمْ فَلْنَتَّبِعِ الوَاضِحَ الصَّرِيحَ المُحْكَمَ مِنْ عَقِيدَةِ الشَّيْخِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِكَلَامِ مَوَالِيهِ مِنَّا وَكُلُّ تَفْسِيرٍ لَهَا عَنْ غَيْرِهِمْ مُحْتَمِلٌ الخَطَأَ لَا الصَّوَابَ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا حُجَّةَ كَائِنَاً مَنْ كَانَ مَخْرَجُهُ فَإِذَا جَاءَ عَنْهُمْ فَهُوَ الحَقُّ لَا نَرْضَى بِهِ بَدَلَاً وَلَا نَبْغِي عَنْهُ حِوَلَاً.وَأَمَّا هٰذِهِ الشُّرُوحُ المُتَأَخِّرَةُ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ لِلْكُفْرِ مِنْهَا إِلَى الإِيمَانِ كَمَا فِي هٰذِهِ الفَتْوَى الحِمْصِيَّةِ وَعِنْدَنَا عَائِلَةُ مَشَائخَ يَعُدُّونَهَا مِنْ أَشْرَفِ العَائِلَاتِ يَعْتَقِدُونَ بَشَرِيَّةَ العَيْنِ وَالمِيمِ وَالمَوَالِي مِثْلَ اعْتِقَادِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ النَّصْبِ وَسِوَاهُمْ وَيُجَادِلُونَ فِي ذٰلِكَ بِمَا أَظْهَرُوهُ لِلنَّاسِ فَيُشَكِّكُونَ العَامَّةَ فِي دِينِهِمْ وَيَقِينِهِمُ الفِطْرِيِّ الَّذِي فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَلَاءِ بَلْ تَطَرُّفُ بَعْضِ المَتَفَقِّهِينَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ عَدَّ كَرَامَاتِهِمْ وَمَعْجِزَاتِهِمْ مِنْ جِنْسِ الحِيَلِ وَالرَّوُحَانِيِّ وَالحَرْفِ، هَكَذَا تَحْجُبُ الظُّلْمَةُ النُّورَ فَاللَّهُمَّ غَفْرًا.




