مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 10 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 39 من 389

خَمْسِينَ عَاماً فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ، وَلَمْ تَنْقَصْ لَهُ قُوَّةٌ، وَلَا نَقَصَتْ لَهُ سِنٌّ، وَلَمْ يُبَالِغْ أَحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ فِي الدَّعْوَةِ مِثْلَمَا بَالَغَ، وَكَانَ -عَزَّ عَزُّهُ- يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلاً وَنَهَاراً، سِرّاً وَعَلَانِيَةً، وَبَقِيَ نُوحٌ -عَزَّ عَزُّهُ- بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَجُعِلَ ثَانِيَ الْمُصْطَفَين فِي الْمِيثَاقِ وَالْوَحْيِ.

وَلَقَدْ أَجْمَلَ السَّيِّدُ عَبْدُالْوَهَّابِ النَّجَّارُ أَخْبَارَ نُوحٍ فِي كِتَابِهِ "قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ": هُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ الْمَتُوشَلْخَ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ يَارَدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ آنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ نُوحٍ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَقَدِ اخْتَارَهُ اللهُ لِيُنْذِرَ قَوْمَهُ عَذَابَ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ تَمَادَوْا فِي ضَلَالِهِمْ وَغَيِّهِمْ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى تَكْذِيبِهِ وَاحْتِقَارِهِ هُوَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَبَذَلَ نُوحٌ مُنْتَهَى وُسْعِهِ، وَاجْتَهَدَ غَايَةَ إِمْكَانِهِ أَنْ يَتَّبِعَهُ قَوْمُهُ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يُقْلِعُوا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَطَالَ الزَّمَنُ وَهُوَ يَعِظُهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً، وَهُمْ لَا يَزْدَادُونَ إِلَّا إِعْرَاضاً، وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمُ الْمَسَرَّاتِ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالنَّعِيمَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُمْ، وَيَضْرِبُ لَهُمُ الْأَمْثَالَ، وَيُوَجِّهُ نَظَرَهُمْ إِلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ مَنْ بَدَأَهُمْ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، فَعَصَوْهُ وَاتَّبَعُوا كُبَرَاءَهُمْ، فَيَئِسَ نُوحٌ مِنْ إِصْلَاحِهِمْ وَقَالُوا فِي عُتُوٍّ وَكِبْرٍ: إِنَّكَ أَكْثَرْتَ جِدَالَنَا وَإِنَّا لَنْ نَتْرُكَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَآتِنَا بِالْعَذَابِ الَّذِي تُخَوِّفُنَا مِنْهُ، عِنْدَئِذٍ تَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ.

الصفحة 39 من 389