قُرَيْشٍ وَصَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ الَّذِي يُطْعِمُ النَّاسَ فِي السَّهْلِ، وَالْوُحُوشَ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا ذَكَرَ حَاجَتَهُ قَالَ لَهُ أَبْرَهَةُ: سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِي، جِئْتُ لِأَهْدِمَ الْكَعْبَةَ، الْبَيْتَ الَّذِي هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ وَعِصْمَتُكُمْ وَشَرَفُكُمْ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَأَلْهَا عَنْهُ ذَوْدٌ مِنَ الْإِبِلِ أَخَذَلَكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ -عَزَّ عَزُّهُ- : أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ، وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُكَ مِنْ هَدْمِهِ، فَكَانَ كُلَّمَا وَجَّهَ أَبْرَهَةُ الْفِيلَ إِلَى الْكَعْبَةِ بَرَكَ وَإِذَا وَجَّهَهُ إِلَى غَيْرِهَا أَسْرَعَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِمُ الطَّيْرَ الْمَوْصُوفَةَ مُتَتَابِعَةً حَامِلَةً الْحَصَى، وَقِيلَ إِنَّهَا مِنْ طِينٍ مَطْبُوخٍ دُونَ الْحِمَّصِ وَفَوْقَ الْعَدَسِ مُحَرَّراً عَلَى كُلِّ حَصَاةٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهَا فَكَانَتْ تَخْرِقُ الْخُوذَةَ وَالرَّجُلَ وَالْفِيلَ إِلَى الْأَرْضِ وَالطَّيْرُ قِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ مِائَتَانِ وَسِتَّةٌ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- ، وَالْكَيْدُ: هُوَ الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ وَالْحَرْبُ، وَقِيلَ: الْكَيْدُ: هُوَ إِرَادَةُ مَضَرَّةِ الْآخَرِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مَحْمُودُ قَرْفُولٌ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "التُّحْفَةِ النَّافِعَةِ": هَذِه السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ بِحَقِّ أَبْرَهَةَ بْنِ الصَّبَّاحِ، حِينَ قَدِمَ إِلَى خَرَابِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِقَوْمِهِ وَأَفْيَالِهِ، وَالْمَعْنَى بِذَلِكَ: إِذَا تَلَوْتَ آيَةَ الشِّتَاءِ، وَقَرَنْتَهَا بِآيَةِ الْفِيلِ بِغَيْرِ فَصْلٍ عَلَى حَقِيقَةِ إِنْزَالِهِمَا، وَعَرَفْتَ أَنَّ الْإِلَهَ فِي قُرَيْشٍ الرَّاحِلَ مَعَهُمْ: هُوَ الْعَيْنُ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، مَا فَعَلَ مِنَ الْعَذَابِ وَالتَّنْكِيلِ، إِذْ جَعَلَ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، أَيْ تَضْيِيعٍ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ




