قَالَ: الْأَمْنُ فِي الشُّرْبِ، وَصِحَّةُ الْبَدَنِ، وَالْقُوتُ الْحَاضِرُ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا أَبَا حَنِيفَةَ، لَئِنْ سَأَلَكَ اللهُ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا، أَوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا لَيَطُولَنَّ عَلَيْكَ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَمَا هُوَ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ؟ قَالَ الْمَوْلَى جَعْفَرٌ -عَزَّ عَزُّهُ- : نَحْنُ النَّعِيمُ، بِنَا أَنْقَذَ اللهُ النَّاسَ مِنَ الضَّلَالِ وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَى، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حِكْمَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَقَوْلٌ مَقْبُولٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُالْكَرِيمِ مُحَمَّدٌ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ": فِي هَذِهِ السُّورَةِ عِدَّةُ وُجُوهٍ: مِنْهَا: قَوْلُهُ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أَيْ سَتَعْلَمُونَ وُجُودَ بَارِيكُمْ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ سَتَعْلَمُونَ وُجُودَهُ فِي سَمَائِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: فَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى مَحَجَّةِ الطَّرِيقَةِ، وَالسُّلُوكِ فِي مَرَاتِبِ الْحَقِيقَةِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى الدُّخُولِ مِنَ السِّينِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ، لِأَنَّ عِلْمَ الْيَقِينِ: هُوَ الدُّخُولُ مِنَ الْبَابِ، وَاتِّبَاعُ الْأَسْبَابِ، أَيْ لَوْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَعَمِلْتُمْ بِهِ مَعَ ذَوِي الْأَلْبَابِ، لَوَصَلَتْ بِكُمُ الْفِرَاسَةُ بِنُورٍ مُبِينٍ إِلَى رُؤْيَةِ الْجَحِيمِ، الَّذِي هُوَ الْمَهْدِيُّ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَقُلْتُمْ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ، وَهُوَ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ مِنْ قَوْلِ قُرَّةِ الْمُحِقِّينَ، السَّيِّدِ أَبُو عَبْدِاللهِ الْحُسَيْنِ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيِّ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- ، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى عِبَادِهِ الْعَارِفِينَ، وَرَقَوْا بِهَا إِلَى غَايَةِ مَرَاتِبِ أَهْلِ التَّمْكِينِ.




