مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 10 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 285 من 389

أَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ خَلَقَهُمْ مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ مُقِرِّينَ بِاللهِ وَبِوَسَائِطِ الْإِيجَادِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ تَكْوِينًا، إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِصَانِعِهِمْ وَبِالْوَسَائِطِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ إِيجَادِيٌّ وَلَمَّا خَلَقَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ، الَّتِي هِيَ خِلْقَتُهُمْ عَلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ كُلٌّ بِحَسَبِهِ وَدَعَاهُمْ بِأَلْسِنَةِ حُجَجِهِ وَأَوْلِيَائِهِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِمَا شَرَعَهُ لَهُمْ بِمَا خُلِقُوا عَلَيْهِ وَمَا فَطَرَهُمْ عَلَيْهِ، فِي الْخَلْقِ الْأَوَّلِ التَّكْوِينِيِّ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْوَلَايَةِ مُسْتَطِيعِينَ قَادِرِينَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ عَمَلًا بِمُقْتَضَى فِطْرَتِهِ الْأَوَّلِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ تَغَيُّرًا عَنْ تِلْكَ الْفِطْرَةِ، فَرَدَّ هَؤُلَاءِ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ خَلَقَهُمْ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾(1)، يَعْنِي فِي الْخَلْقِ الْأَوَّلِ لَا كَافِرِينَ وَلَا مُؤْمِنِينَ، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ يَعْنِي عِنْدَ التَّكْلِيفِ الثَّانِي، فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُمْ خُلِقَ بِقَبُولِهِ لِلْجَنَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ خُلِقَ بِإِنْكَارِهِ لِلنَّارِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِإِقْرَارِ أَبِي الْفُضَيْلِ فِي الْمِيثَاقِ وَخَلْقِهِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَهُوَ حُكْمُ الْخَلْقِ التَّكْوِينِيِّ، وَأَمَّا رَدُّهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ فَهُوَ حُكْمُ الْخَلْقِ التَّشْرِيعِيِّ فِي حَقِّهِ، لِإِنْكَارِهِ وَعُدُولِهِ عَنْ مُقْتَضَى فِطْرَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي شَهِدَ فِيهَا بِوَحْدَانِيَّةِ الْحَقِّ وَبِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ

الهوامش

1سورة البقرة _ الآية (213)
الصفحة 285 من 389