الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ وَجَعَلَ -عَزَّ وَجَلَّ- الشَّفَتَيْنِ حِجَابَيِ اللِّسَانِ، لِكَيْ لَا يَنْطِقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ الصَّمْتُ، بَلْ يَنْطِقُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ النُّطْقُ، وَالنَّجْدَيْنِ: هُمَا الْعَقْلُ وَالنَّفْسُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مُدْرَكَاتُهَا، وَتَتَبَيَّنُ مَطْلُوبَاتُهَا، فَمَتَى حَصَلَتْ هَذِهِ الرُّتْبَةُ لِلْعَارِفِ كَانَ مُصَلِّيًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، مُتَّصِلًا بِاللهِ، مَحْشُوًّا قَلْبُهُ خَوْفًا وَوَرَعًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مَحْمُودُ قَرْفُولٌ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مَنَارَةِ الْحَيَاةِ": أَيْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَهُ تَامًّا مِنْ تَرْكِيبِ الْأَعْضَاءِ، لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ لَهُ عَيْنَيْنِ لِيُبْصِرَ بِهِمَا النُّورَ مِنَ الظَّلَامِ، فَأَنْكَرَ النُّورَ، وَاتَّخَذَ الظَّلَامَ لَهُ قَصْدًا وَجَعَلْنَا لَهُ لِسَانًا بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالْإِقْرَارِ لِوُجُودِ الْعَلِيِّ الْجَبَّارِ، فَجَحَدَ وَتَمَرَّدَ وَنَطَقَ بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ وَجَعَلْنَا لَهُ شَفَتَيْنِ لِيَجْمَعَ بِهِمَا مَا شَرَدَ مِنَ الْكَلَامِ عَنْ أَطْرَافِ اللِّسَانِ، فَشَرَدَ بِكَلَامِهِ عَنْ خَالِقِهِ، وَتَكَلَّمَ بِالْإِفْكِ وَالتَّزْوِيرِ بَيْنَ أَتْبَاعِهِ وَأَشْيَاعِهِ، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: وَهُمَا طَرِيقَا الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَأَبَى طَرِيقَ الْخَيْرِ وَاتَّخَذَ فِعْلَ الشَّرِّ لَهُ سَحِيرًا، وَقِيلَ النَّجْدَيْنِ: الظُّهُورَيْنِ فَأَبَى الْإِقْرَارَ بِهَذَيْنِ الْمَظْهَرَيْنِ، أَيْ بَيَّنَّا لَهُ الْإِيجَادَ بِالظُّهُورَيْنِ، وَلَكِنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِمَا وَاتَّخَذَ الشَّرَّ وَالْإِنْكَارَ طَرِيقًا سَلَكَهُ وَيُومِئُ بِيَدِهِ لِمَنْ تَبِعَهُ وَمَالَ إِلَيْهِ مِمَّنْ شَايَعَهُ.




