مَكَّةُ، وَهُوَ الْبَابُ الْحَضْرَةُ الْقُدْسِيَّةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾: يَعْنِي ظُهُورَ الِاسْمِ بِالْبَابِ أَوِ الْقُدْرَةَ بِهِ هَذَا إِذَا كَانَ خِطَابًا مِنَ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ هُوَ حُلُولَ اخْتِلَاطٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾: فَالْوَالِدُ الْبَابُ، وَالْوَلَدُ: الْيَتِيمُ، وَلَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ وِلَادَةٌ وَلَا مَوْلُودٌ وَلَا وَالِدٌ، وَإِنَّمَا هِيَ إِظْهَارُ قُدْرَةٍ وَمَعَاجِزَ.
وَمِنْ "كِتَابِ الْهَفْتِ"، قَالَ الْعَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلْمُفَضَّلِ -مِنْهُ السَّلَامُ- : اقْرَأْ: فَقَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ: قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا مُفَضَّلُ إِنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ بَاطِنًا، وَلِبَاطِنِهَا بَاطِنٌ، فَهَلْ تَرَى هُنَا وَالِدًا أَوْ مَوْلُودًا، وَمَا هُوَ بِوَالِدٍ وَلَا مَوْلُودٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَوْلُودًا وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا وَلَدَ، فَقَدْ تَسْتَلْمِحُ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْبَلَدَ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَهُوَ الْجِسْمُ الَّذِي ظَهَرَ الْمَعْنَى بِهِ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾: نَفْيًا لَهُ عَنِ التَّصْوِيرِ وَالتَّجْسِيمِ، يَعْنِي لَيْسَ هُوَ صُورَةً وَجِسْمًا، بَلْ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ وَإِيجَادَهُ مِنْ جِسْمٍ وَصُورَةٍ لُطْفًا بِعِبَادِهِ وَعَلَيْهِ النَّصُّ أَيْضًا بِالْوَالِدِ، الَّذِي أَوْلَدَ الظُّهُورَاتِ، أَيْ أَظْهَرَهَا وَأَبْدَاهَا نُورِيَّةً وَبَشَرِيَّةً، إِثْبَاتًا لِوُجُودِهِ، وَتَحَقُّقًا لِعِيَانِهِ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ إِشَارَةٌ دَقِيقَةٌ يَلْمَحُهَا أَرْبَابُ الْحَقِيقَةِ، بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ: إِلَى النُّورِ الْفَائِضِ بِمَرْكَزِ مَعَاقِدِ الضِّيَاءِ الْجَامِعِ مُجَادِلِ الْآيَاتِ، بِتَوْلِيدِ الظِّلِّ الْمَمْدُودِ، الْحَائِطِ بَيْكَارُهُ دَوْرَةَ الْوُجُودِ تَعَالَى اللهُ عَنِ الْأَوْصَافِ وَالْحُدُودِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَبُو الْفُصَيْلِ وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ




