وَجْهٌ ثَانٍ: فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَإِشَارَةٌ عَلَى النَّهْرِ الْمُتَفَجِّرِ مِنْ عَيْنِ التَّسْنِيمِ، الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُوَحِّدِ لِكَوْنِ الْأَنْوارِ الْبَسِيطَةِ عَنِ التَّرَاكِيبِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسْقَوْنَ مِنْ ذَلِكَ الرَّحِيقِ، الَّذِي هُوَ الْخَمْرُ الْعَتِيقُ، الْمَخْتُومُ بِالْمِسْكِ، الْمَدْخُورُ لِأَهْلِ الصِّيَانَةِ وَالنُّسُكِ، الْمَنْصَانُ عَنْ أَهْلِ الْإِثْمِ وَالْإِفْكِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، يَعْنِي أَهْلَهُ فِيهِ، عِنْدَ أَرْبَابِهِ وَمَوَالِيهِ فِي رِيَاضِ الْحَيْثِ الْأَطْلَسِ، وَالْقَبَاءِ الْأَمْلَسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾: وَهُوَ أَبَرُّ مَاءٍ وَأَعْذَبُهُ، لِحَاسِيهِ وَأَطْيَبُهُ، وَهُوَ النَّهْرُ الْمُنْهَمِرُ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنْهَا الْمُقَرَّبُونَ، بِالْكَأْسِ الْمَكْنُونِ، الْكَانَ فِي الْبَهْمَنِيَّةِ الْحَمْرَاءِ، وَالْبَيْضَاءِ، وَالْعُظْمَى، وَالْكُبْرَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ عُيُونَ التَّسْنِيمِ: هُمُ الْحُجُبُ الِاثْنَا عَشَرِيَّةُ، الَّتِي قُدِّرَتْ عَلَيْهَا الْأَشْهُرُ الْهِلَالِيَّةُ، الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيَّةِ، الَّذِينَ هُمُ الْأَعْيُنُ الْكُبْرَى الْمُتَفَرِّعُونَ عَنْ حُجْرَةِ النُّهَى، الْكَائِنَةِ فِي كِيَانِ الْبَقَاءِ، الْمُعَلَّقَةِ فِي الْقُدْسِ الْمَكْنُونِ عَنِ اللَّمْسِ، الْعَارِيَةِ عَنِ الْحِسِّ، بَيْضَةٌ بَارِدَةٌ، فِي رَحَبِ الْوَادِي سَارِحَةٌ، أُرْسِيَتْ تَحْتَ الْبَاءِ كَالنُّقْطَةِ، وَأُجْرِيَتْ عُنْوَانَ إِيجَادِهَا كَالْخِطَّةِ اتَّصَلَتْ بِالْمِيمِ، لِلْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَأَبْرَزَتْ لَفْظَةَ الْجَلَالِ بِالْأَلِفِ الْأَنْزَعِ صِبْغَةُ اللَّاهُوتِ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ وَالْمِنَّةِ، الْمُظْهِرِ لَا فِي الْمِحْنَةِ لِلْفِطْرَةِ، وَمُهَيِّئِ الْهَاءِ لِلْقُدْرَةِ،




