وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ الْكُسُوفُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُنَجِّمُونَ أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ أَصْلُهُ مِنَ الْقَمَرِ، وَهُوَ حِينَ اجْتِمَاعِهَا مَعَهُ فِي بُرْجٍ وَاحِدٍ، وَدَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِلْقَمَرِ عَرْضٌ يَبْعُدُ عَنْهَا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ إِحْدَى الْعُقْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُسَمَّيَانِ: الرَّأْسُ وَالذَّنَبُ، فَيَسْتُرُ جُرْمُهُ جُرْمَهَا عَنْ مُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ، وَيَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاظِرِ إِلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ عَارِضٍ فِي ذَاتِ الشَّمْسِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَاطِنِ: عَلَى مَا قَرَّرَهُ السَّيِّدُ الْجَلِّيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "بَاطِنِ الصَّلَاةِ": أَنَّ ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ ظُلْمَةٌ وَاقِعَةٌ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَحَقِيقَةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ تَمْثِيلاً لِمَا يَجْرِي فِي الْوُجُودِ الظِّلِّيِّ، وَمَا أَظْهَرَهُ مِنْ غَلَبَةِ الضِّدِّ اللَّعِينِ، وَعُلُوِّهِ عَلَيْهِ، وَهُرُوبِهِ وَالْتِجَائِهِ إِلَى الْغَارِ خَوْفاً مِنْ قُرَيْشٍ، وَمِثْلُ عُلُوِّ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ وَغَلَبَتِهِمْ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالْعَجْزُ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِنْ إِحَاطَةِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَإِحْصَارِهِمْ لَهُ حَتَّى حَفَرَ الْخَنْدَقَ.
وَمِثْلُ يَوْمِ أُحُدٍ، وَقَتْلِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ، وَكَسْرِ رُبَاعِيَّةِ الْمِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- عَلَى جِهَةِ التَّخْيِيلِ وَالتَّلْبِيسِ، كُلُّ ذَلِكَ تَمْثِيلاً لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَهُوَ التَّكْوِيرُ، أَيِ التَّلْبِيسُ الْوَاقِعُ عَلَى أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ لَا فِي الْحَقِيقَةِ.




