فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ، ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا، وَأَجْرَى عَلَيْهَا طَاعَتَهُمْ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا شَاءَ وَفَوَّضَ أَمْرَ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْإِرْشَادِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِأَنَّهُمُ الْوُلَاةُ، فَلَهُمُ الْأَمْرُ وَالْوِلَايَةُ وَالْهِدَايَةُ، فَهُمْ أَبْوَابُهُ وَحِجَابُهُ، يُحَلِّلُونَ مَا شَاؤُوا، وَيُحَرِّمُونَ مَا شَاؤُوا، وَلَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا شَاءَ، ثُمَّ قَالَ: قُلُوبُنَا أَوْعِيَةُ الْمَشِيئَةِ، فَإِنْ شَاءَ شِئْنَا فَلَا يَصْدُرُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ إِلَّا عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَلَا يَصِلُ عَبْدٌ إِلَى اللَّهِ، إِلَّا بِسَبِيلِ مَعْرِفَتِهِمْ، وَالْإِقْبَالَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ آيَاتُهُ وَعَلَامَاتُهُ وَمُقَوِّمَاتُهُ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، يَعْرِفُهُ بِهَا مَنْ عَرَفَهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَخَلْقُهُ، فَتَقَهَا وَرَتَقَهَا بِيَدِهِ، بَدْؤُهَا مِنْهُ، وَعَوْدُهَا إِلَيْهِ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَدَ الْإِنْسَانَ وَأَوْجَدَ فِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ، فَأَعْطَاهُ النَّظَرَ وَالسَّمْعَ وَالْحَوَاسَّ، وَالْعَقْلَ، وَفَوَّضَهُ فِي مَقْدِرَاتِ هَذَا الْكَوْنِ، يَعْمَلُ فِيهِ لِيَحْفَظَ كِيَانَهُ وَقَدَرَهُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَا فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أَيْ عِظَةٌ لَكُمْ لِتَعْلَمُوا إِنْ كُنْتُمْ أَصْحَابَ عُقُولٍ، تَعْقِلُونَ عَنْ مَوْلَاكُمْ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ تَخْيِيرًا، وَنَهَى تَحْذِيرًا، وَأَعْطَاكُمُ الِاسْتِطَاعَةَ وَتَرَكَ لَكُمْ أَنْ




