قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ١٢﴾
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ العَبَّاسُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "رِيَاضِ الأَذْهَانِ": نِدَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَمْرًا بِالتَّيَقُّظِ لَمَا يَصْدُرُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَمْرِ وَالتَّفْكِيرِ، بِمَا يَقَعُ النَّظَرُ مِنْ مُبَاشَرَةِ التَّجَلِّي بِالوُجُودِ الظِّلِّيِّ، وَلِلْفَرْقِ الوَاقِعِ، وَالبُعْدِ الشَّاسِعِ بَيْنَ النَّظَرِ وَالِاعْتِقَادِ وَفِي رُؤْيَةِ العِبَادِ، يَقَعُ الظَّنُّ وَالتَّرَدُّدُ، بِحَرَكَةِ التَّصَوُّرِ وَالتَّجَسُّدِ، فَلِذَا صَدَرَ الأَمْرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: حَذَرًا مِنَ الِاعْتِقَادِ بِالعَجْزِ وَالوَهْنِ، وَلِوُجُوبِ الشُّكْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ، لَزِمَنَا مَعْرِفَةُ رَبِّ العِبَادِ، وَلِتَقْيِيدِنَا الصُّورَةَ وَالنُّطْقَ، بِمَا ظَهَرَ بِهِ الحَقُّ، مِنْ خُطُوطٍ وَصُوَرٍ، كَهَيْئَةِ الأَبْشَارِ، لِحَاجَةِ المَخْلُوقِينَ إِلَيْهِ، لَا عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا رُؤْيَةٌ مُحْدَثَةٌ، وَمِنْ قَبِيلِهَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، فَهَذَا الظَّنُّ الكَثِيرُ الَّذِي أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِاجْتِنَابِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: أَيْ إِنَّ إِنْكَارَ ظُهُورٍ مِنَ المَظَاهِرِ الإِلَٰهِيَّةِ يَقُودُ صَاحِبَهُ إِلَى النَّارِ لِقَوْلِ القَائِلِ: مَنْ أَقَرَّ بِوَجْهٍ وَأَنْكَرَ مِنْ وَجْهٍ، كَانَ إِنْكَارُهُ خَيْرًا مِنْ إِقْرَارِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: أَيْ لَا تَأْخُذُوا مَعْرِفَتَهُ عَنْ غَيْرِ طَرِيقٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: أَيْ لَا تُثْبِتُوا عَلَيْهِ صِفَةَ كَوْنِكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾: فَاللَّحْمُ: إِشَارَةٌ إِلَى الظُّهُورِ




