قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 6﴾
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "رِيَاضُ الْأَذْهَانِ": أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَنْ يَحْفَظُوا نُفُوسَهُمْ بِمَعْرِفَةِ مَوْلَاهُمْ، وَيَحُضُّوا إِخْوَانَهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَالتَّصْدِيقِ بِمَعْنَوِيَّتِهِ، فَفِي تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ تَحْفَظُهُ النُّفُوسُ مِنَ الدُّخُولِ فِي النَّارِ الَّتِي هِيَ الْمَسُوخِيَّةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾: هُمُ الَّذِينَ لَانَ جَانِبُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾: هُمُ الَّذِينَ تَصَلَّبُوا بِكُفْرِهِمْ كَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ بَعَثَهُ مُعَاوِيَةُ حَكَماً مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ جَاءَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى مَوْلَانَا عَلِيٍّ -عَزَّ عَزُّهُ- فَقَالَ لَهُ: رُمِيتَ بِحَجَرِ الْأَرْضِ فَاجْعَلْ مَعَهُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ لَا يَشُدُّ عُقْدَةً إِلَّا حَلَّهَا، فَأَبَتِ الْيَمَانِيَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَقِيلَ إِنَّ تَسْمِيَتَهُمْ مِنْ بَابِ التَّشْخِيصِ لِلْأَحْجَارِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾: أَيْ إِنَّ الَّذِينَ يَلُونَ أَمْرَ النَّارِ، هُمْ مَالِكُو عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمُدَبِّرُو أَحْكَامِهِ، وَفِيهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾: أَيْ يُصَرِّحُونَ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ، وَيَظْهَرُونَ بِصُورَةِ الْقَهْرِ عَلَى مَنْ جَحَدَ وَكَفَرَ، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.




