صَبِيحٌ الدَّيْلَمِيُّ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ قَائِمًا لَمْ أُجَرِّدْ سَيْفِي مِنْ غِمْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ طُلُوعُ الْفَجْرِ قَعَدَ الْمَأْمُونُ لَعَنَهُ اللَّهُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ مُحَلَّلَ الْأَزْرَارِ لِلتَّعْزِيَةِ، ثُمَّ قَامَ مَاشِيًا حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ إِلَى دَارِ الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا حُجْرَتَهُ سَمِعَ هَمْهَمَةً فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَانْتَفَضَ وَقَالَ: غَرَرْتُمُونِي لَعَنَكُمُ اللَّهُ، يَا صَبِيحُ انْظُرْ مَنْ يُصَلِّي عِنْدَهُ، ثُمَّ وَلَّى رَاجِعًا، فَلَمَّا صِرْتُ بِعَتَبَةِ الْبَابِ نَادَى مَوْلَايَ: يَا صَبِيحُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا مَوْلَايَ وَسَقَطْتُ سَاجِدًا، قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَأْمُونِ فَوَجَدْتُ وَجْهَهُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ: يَا صَبِيحُ مَا وَرَاءَكَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ بِعَيْنِهِ قَالَ: يَا صَبِيحُ لَا تُحَدِّثْ أَحَدًا بِمَا حَدَّثَكَ بِهِ، وَلَمَّا عُدْتُ إِلَى مَوْلَايَ قَالَ لِي: يَا صَبِيحُ لَا تُحَدِّثْ إِلَّا مُؤْمِنًا امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِوِلَايَتِنَا وَمَحَبَّتِنَا، وَاللَّهِ يَا صَبِيحُ لَا يَضُرُّنَا كَيْدُهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْخَبَرُ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ".
وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ الْجَديلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدِ": هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- بِغَيْرِ رُؤْيَةِ وَغَرَضُهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا يُرِيدُونَ الرُّبُوبِيَّةَ لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ وَجَلَّ- وَيَقْصِدُونَ مَا دُونَهُ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَرَّفَ ذَاتَهُ كَلَّا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ حِلْمًا مِنْهُ وَإِنَّمَا تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ عِبَادِةِ الْعَدَمِ إِلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُودِ، وَإِثْبَاتِ




