كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَتَسَابَقْ إِلَى قَضَائِهَا، لِأَنَّ مَنْزِلَتَهُ رَفِيعَةٌ وَدَرَجَتُهُ مَنِيعَةٌ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ عَبَّاسٍ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "رِيَاضُ الْأَذْهَانِ": أَيْ تَوَسَّعُوا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَيَّدَ الْفَسْحَ فِي الْمَجَالِسِ رَمْزًا إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى تَعَالَى بِالظُّهُورَاتِ السَّبْعِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: أَيْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ارْتَفِعُوا بِالظُّهُورِ لِعَالَمِ الْعَقْلِ فَارْتَفِعُوا وَأَقِرُّوا لَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أَيْ يَرْفَعُ مَنْ صَدَّقَ بِالْوُجُودَيْنِ وَنَزَّهَهُ عَنِ الرُّؤْيَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: إِشَارَةٌ إِلَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِكُلِّ ظُهُورٍ ظَهَرَ بِهِ وَنَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ صِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَعَنْ تَصَوُّرِ الْأَفْكَارِ، وَلَطَائِفِ الْأَسْرَارِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى مَكْنُونَاتِ ضَمَائِرِ عِبَادِهِ مِنْ إِقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَلِيُّ الْقَلَعُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "النُّضُودُ": الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَبَذْلُهُ لِأَهْلِهِ، هُوَ أَفْضَلُ الْمَتَاجِرِ وَأَجْمَلُ الذَّخَائِرِ، وَأَحْسَنُ الْمُسَامِرِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَوَارِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ أَجَلُّ الْأَشْيَاءِ، مِنْهُ يَعْرِفُ الْمَرْءُ رَبَّهُ، وَيَنَالُ إِرْبَهُ، وَيُعْلِي قَدْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُحْسِنُ ذِكْرَهُ، فَبِالْمَعْرِفَةِ بَلَغُوا الْهِدَايَةَ، وَفِي بُلُوغِ الْهِدَايَةِ سَارُوا إِلَى الدَّرَجَةِ الزُّلْفَى وَسَلَكُوا طَرِيقَ أَهْلِ الصَّفَاءِ.




