وَجْهٌ آخَرُ: عِنْدَمَا أَرَادَ هَزِيمَةَ الْأَحْزَابِ جَعَلَهُمْ كُلَّمَا كَمَنُوا كَمِينًا عَلَيْهِ وَرَامُوا غِشَّهُ يَلْتَفِتُونَ وَرَاءَهُمْ فَيَرَوْنَهُ مُجَرَّدًا سَيْفَهُ ذُو الْفَقَارِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا قَلِيلِينَ أَوْ كَثِيرِينَ يَرَوْنَهُ مَعَهُمْ، وَهَذَا الْأَمْرُ وَاقِعٌ بِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَكُلُّهُ تَحْذِيرٌ وَاقِعٌ بِعَالَمِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى تَجَلِّي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، فِي دَائِرَةِ وُجُودِ الْفَلَكِ الْأَثِيرِ بِالثَّلَاثَةِ الْحُجُبِ الْمُشْرِقَةِ بَيْنَ عَالَمِ الْعَقْلِ الْمَوْسُومَةِ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ الْمُسْفِرِ عَلَى مِثَالِ الرُّتَبِ الثَّلَاثَةِ: أَعْنِي الِاسْمَ وَالْبَابَ وَالْيَتِيمَ، وَرَابِعُهُمْ فَلَيْسَ بِالْعَدَدِ وَالْمُقَارَنَةِ، بَلْ هُوَ عَيْنُ حَقِيقَتِهِمْ وَجَوْهَرُهُمْ، وَالْمُتَجَلِّي بِهِمْ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ كَالْوَاحِدِ فِي عَالَمِ الضَّرْبِ، يَبْقَى وَاحِدًا مُنْفَرِدًا لَا يَقْبَلُ الْكَثْرَةَ أَبَدًا.
وَالثَّلَاثَةُ الْحُجُبُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَأَشَارَ إِلَيْهِمُ الْمَوْلَى الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَعْنَى تَعَالَى إِذَا ظَهَرَ لِخَلْقِهِ بَدَا بِثَلَاثَةِ حُجُبٍ: مِنْهَا يَحْجِبُ ذَاتَهُ بِنُورِهِ وَيَحْجِبُ نُورَهُ بِضِيَائِهِ، وَيَحْجِبُ ضِيَاءَهُ بِظِلِّهِ، وَهُمْ ذَوَاتُ أَنْوَارٍ، لَا أَبْشَارٍ، وَلَا أَجْسَامٍ؛ وَهِيَ نَظَرَاتٌ لِلرُّتَبِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ النُّورَ: نَظْرَةُ الِاسْمِ الْعَظِيمِ، وَالضِّيَاءُ: نَظْرَةُ الْبَابِ الْكَرِيمِ، وَالظِّلُّ نَظْرَةُ الْأَلِفِ الْيَتِيمِ، ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهُمْ، وَالتَّنْزِيهِ لِلْبَارِي تَعَالَى عَنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَالْخَمْسَةُ الَّذِينَ هُوَ سَادِسُهُمْ تَدُلُّ عَلَى الْخَمْسَةِ الْحُجُبِ النُّورِيَّةِ، الَّتِي أُقِيمَتْ لَهَا خَمْسَةُ حُجُبٍ




