قَالَ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ 19 بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ 20 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 21 يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ 22 فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 23﴾
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِي الْخَطِيبُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "ثَمَرَةِ الْجَانِي": إِنَّ وَرَاءَ هَذَا الْبَحْرِ الْمَالِحِ الَّذِي هُوَ الْأُجَاجُ، بَحْراً عَذْباً مَاؤُهُ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ، وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فِي الْوَسَطِ وَهُوَ الْبَرْزَخُ، وَفِي هَذَا الْبَرْزَخِ مَنْبَتُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتِ وَالْمَرْجَانِ، أَيْ بَيْنَهُمَا تَخْرُجُ وَتَتَفَرَّقُ فِي سَائِرِ الْبِحَارِ، فَيَلْتَقِطُهُ الْغَوَّاصُونَ، وَهُوَ مَثَلٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، لِأَنَّهَا رَغْمَ اشْتِرَاكِهِمَا بِبَعْضِ الْمَظَاهِرِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْحِسِّيَّةِ، فَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ وَلَا يَتَسَاوَى الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْخَاصَّةِ الْعُظْمَى وَهِيَ بَقَاءُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ وَالْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، الثَّابِتَانِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُمَا عَنْهُ، كَمَا تَغَيَّرَ الْآخَرُ فِي نَتْنِهِ وَكَرَاهَتِهِ، فَقَدْ بَانَ فَضْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ يَكُونَا اشْتَرَكَا بِالصُّورَةِ الْحَسَنَةِ وَالْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ، وَمَنَافِعَ غَزِيرَةٍ، إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالْقَصْدِ، فَالْكَافِرُ صَدَّهُ عَنِ الْإِيمَانِ كَدَرُ مِزَاجِهِ، وَتَخَلُّقُهُ بِالْخَبَائِثِ وَالنِّفَاقِ، فَيَخْبُثُ مَاؤُهُ، وَيَنْتُنُ طَعْمُهُ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى تَلْحَظُ أَعْيُنُ الْمُسْتَبْصِرِينَ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ وَاقِعٌ بِالْعِلْمِ الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ، إِذْ كِلَاهُمَا بَحْرَانِ، فَالْعِلْمُ الْبَاطِنُ: مَشْرَبُهُ عَذْبٌ حُلْوُ الْمَذَاقِ فُرَاتٌ، سَائِغُ الْعَطَشِ يَرْوِي شَارِبَهُ، وَالْعِلْمُ الظَّاهِرُ: هُوَ الْمِلْحُ الْأُجَاجُ، الَّذِي لَا تَقْبَلُهُ الْأَنْفُسُ الزَّكِيَّةُ، وَلَا تَشْرَبُهُ إِلَّا الْأَوْهَامُ السَّاكِنَةُ




