عِبَادَهُ عِبَادَتَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا انْتِفَاعَ المَوْلَى بِاسْتِعْبَادِ عَبِيدِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ انْتِقَامًا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمْ لِيُشَرِّفَهُمْ بِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ، وَالتَّكْلِيفُ هُوَ لِحَاجَةِ الخَلْقِ، لَا لِحَاجَةِ الخَالِقِ، وَإِنَّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الجِنَّ وَالإِنْسَ لِعِبَادَتِهِ لَيْسَ إِلَّا تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَتَفْضِيلًا لَهُمْ، وَالعِبَادَةُ بِعِرْفَانِ المُوَحِّدِينَ وَتَعْرِيفِهِمْ هِيَ المَعْرِفَةُ، وَلِلْمَعْرِفَةِ كَانَ الخَلْقُ، لِقَوْلِهِ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ، وَحَقِيقَةُ العَبَادَةِ وَقَوَامُهَا العِلْمُ وَالعَمَلُ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ تَلَازُمَ الُّروحِ وَالجَسَدِ، فَكَمَا أَنَّ الُّروحَ لَا تُعَايَنُ وَلَا تُدْرَكُ آثَارُهُمْ إِلَّا بِالجَسَدِ وَالجَسَدُ لَا حَرَكَةَ وَلَا فَائِدَةَ مِنْهُ إِلَّا بِالُّروحِ، فَكَذَلِكَ العِلْمُ لَا يَنْفَعُ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَالعَمَلُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ العِلْمِ، وَبِمَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وَنَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ، فَكَانَتْ الحِكْمَةُ الإِلَٰهِيَّةُ فِي إِيجَادِ الخَلْقِ لِلْمَعْرِفَةِ البَاهِرَةِ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ فِي إِيجَادِهِمْ، وَلَا عَنْ عَبَثٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ، غَنِيٌّ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ إِذِ الحِكْمَةُ لَا تَقْتَضِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعَالَى الكَوْنَ، مَا كَمُلَتْ مَرَاتِبُ الوُجُودِ وَتَقَاسِيمُهُ وَهُوَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ، كَامِلٌ قَبْلَ الظُّهُورِ لِكَوْنِ ذَاتِهِ، وَبَعْدَ ظُهُورِهِ بِصِفَاتِهِ، فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الحِكْمَةَ فِي الإِيجَادِ لَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِمْ لِبَارِئِهِمْ لِنَجَاتِهِمْ وَفَوْزِهِمْ، وَكَانَ الغَرَضُ مِنْ




