قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾
قَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودُ صَالِحٌ الزَّلُّو -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "سَبِيلِ الهِدَايَةِ": خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْبُدُوهُ إِلَّا أَنْ يَعْرِفُوهُ، وَمَعْرِفَتُهُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِظُهُورِهِ وَظُهُورُهُ لَا يَسْتَقِينُ إِلَّا بِمُشَاهَدَتِهِ، وَمُشَاهَدَتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِعِيَانِهِ، وَعِيَانُهُ لَا يُسْتَطَاعُ بِلاهُوتِيَّتِهِ إِذْ لَوْ ظَهَرَ تَعَالَى بِذَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ كَشْفًا لَتَلَاشَى كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَةِ إِشْرَاقِ نُورِ اللَّاهُوتِ وَلَمَا ثَبَتَ لَهُ شَيْءٌ فِي الوُجُودِ مِنَ المَوْجُودَاتِ وَإِنْ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ مَعْرِفَتَهُ بِذَاتِهِ، قَضَتْ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ بِذَاتِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَيَعْبُدُوهُ، وَظُهُورُهُ بِنُورِ اللَّاهُوتِ كَشْفًا لَا يُمْكِنُ الثَّبَاتُ لِعَظَمَتِهِ وَمُحَالٌ أَنْ يُكَلِّفَ العِبَادَ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ، فَوَجَبَ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، لُطْفًا بِخَلْقِهِ وَرَحْمَةً لَهُمْ، وَلِئَلَّا يُحَمِّلَهُمْ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ وَمَا يَخْرُجُ عَمَّا فِي طِبَاعِهِمْ فَيَجِدُوا الحُجَّةَ إِلَى إِنْكَارِهِ وَتَعْذِيبِهِ، إِذْ لَا يَفْقَهُونَ عَنْهُ مَا يَقُولُ، أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ كَهُمْ تَأْنِيسًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَهْتَدُوا إِلَيْهِ بِقُدْرَتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَيَفُوزُوا بِمَعْرِفَتِهِ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَلْبِيسًا لِلْكَافِرِينَ المُنْكِرِينَ الَّذِينَ وَقَفُوا عِنْدَ حَدِّ الصُّورَةِ وَاعْتَبَرُوا مَا رَأَوْهُ مِنَ القُدْرَةِ سِحْرًا، وَمَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنْ إِظْهَارِ العَجْزِ نَقْصًا فِيهِ، وَهُوَ تَعَالَى بِظُهُورِهِ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَإِثْبَاتًا لِحُجَّتِهِ، لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارُ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، وَإِنَّ مَنْ حَكَمَ العَقْلَ بِالنَّقْلِ، وَالتَّدَبُّرَ بِالفِكْرِ، عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُكَلِّفْ




