فِي مَعْرِفَةِ البَارِي تَعَالَى، كَانَ مِنْ ذَلِكَ الشَّكِّ القَدِيمِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مَعَهُ، مُمْتَزِجٌ مِنْ وَقْتِ النِّدَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا الكُفْرَ لِعُتُوِّهِمُ القَدِيمِ فِي يَوْمِ الأَظِلَّةِ، وَالنَّارُ مُرَكَّبَةٌ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِمَّا صَدَرَ عَنِ العَوَالِمِ مِنَ الشَّكِّ وَالتِّيهِ وَالحَيْرَةِ وَالتَّشْبِيهِ، وَهِيَ الحَرَكَاتُ وَكَذَا النَّارُ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنِ الحَرَكَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ طِينٍ﴾: لِأَنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا -عَزَّ عَزُّهُ- ، لَمَّا خَلَقَ آدَمَ الثَّانِيَ المُثَابَ عَلَيْهِ، خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ، وَصَوَّرَهُ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ سَلْمَانَ، فَلَمَّا قَامَ الطِّينُ صُورَةً، وَخَاطَبَهُ وَأُمِرَ الخَلْقُ بِالسُّجُودِ لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، سَجَدُوا لَمَّا رَأَوُا القُدْرَةَ البَاهِرَةَ وَالحِكْمَةَ البَالِغَةَ، وَامْتِثَالًا لِبَارِئِهِمْ، وَكَانَ هَذَا المَلْعُونُ قَدْ خُلِقَ مِنْ إِبْلَاسِ العَوَالِمِ، وَهُوَ صُورَةُ نَارٍ مَا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ النُّورِ، فَأَبْلَسَ وَاسْتَكبَرَ عَنِ السُّجُودِ وَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ٧٨﴾
قَالَ الشَّيْخُ الشَّابُّ الثِّقَةُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "الحَاوِي": إِيَّاكُمْ مِنَ الحَدِيثِ وَالَّلغْوِ فِي حَضْرَةِ الإِمَامِ وَالتَّكَبُّرِ وَالعِنَادِ؛ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَهْبَطَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَّا مِنْ تَكَبُّرِهِ وَعِنَادِهِ، وَكَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ يَتَكَبَّرُ عَلَى المَلَائِكَةِ، أَيْ كَتَكَبُّرِ الكَاِفرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ فِي وَقْتِنَا هَذَا.




