السُّجُودِ وَاسْتَكْبَرَ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ﴾: مَعْنَاهُ: مِنَ الحُجُبِ النُّورَانِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ٧٦﴾
قَالَ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "تَزْكِيَةُ النَّفْسِ": فَبِدَايَةُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنْ ظُلْمَةِ الِاعْتِرَاضِ، ظُلْمَةٍ حَجَبَتْهُ عَنْ مَعْنَى العِلْمِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي أُمِرَ بِالسُّجُودِ لَهَا، وَأَوْقَعَتْ عِنْدَهُ الشَّكَّ فِي ذَاتِ المُتَجَلِّي بِهَا فَوَقَفَ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا وَرَاءَ حِجَابِ الظُّلْمَةِ الحَاصِلَةِ مِنْ قِبَلِ شَكِّهِ، وَثَنَتْ عُنُقَهُ إِلَى ذَاتِ الجَهْلِ المَوْجُودِ بِهِ مِنْ نَارِ الأَنَفَةِ عِنْدَ الأَمْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، فَأَوْقَفَهُ عِنْدَ الصُّورَةِ، وَحَجَبَهُ عَنْ مَعْرِفَةِ الرُّوحِ القَائِمِ بِعِلْمِ مَا جَلَّ، وَهَذَا ظَاهِرُ البَاطِنِ فِي مَعْرِفَةِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتَمٌ الجِدْيِلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدُ": عِنْدَمَا قَالَ تَعَالَى -عَزَّ وَجَلَّ- لِإِبْلِيسَ: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ﴾؛ قَالَ المَلْعُونُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ذَلِكَ أَنَّهُ عَرَفَ نَفْسَهُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ شَرِّ العَوَالِمِ؛ لِأَنَّ النَّارَ مِنَ النُّورِ تُولَدُ، لِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَتْ طَبِيعَةُ عُتُوِّهِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ شَرِّ العَوَالِمِ، أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِيهِمْ، فَمَتَى وَقَعَ عِنْدَ شَخْصٍ شَكٌّ، أَوْ وَقْفَةٌ أَوْ حَيْرَةٌ




