قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٧٣ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ٧٤ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ٧٥﴾
قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي كِتَابِهِ "العُقُودُ": المَلَائِكَةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ: هُمُ العَالَمُ العُلْوِيُّ، وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَهْلِ المَرَاتِبِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ أَشْبَاحًا، وَهُمْ مَالِكُو عِلْمِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ، فَسَجَدُوا لِلِاسْمِ، وَقَبِلُوا الأَمْرَ، إِلَّا إِبْلِيسَ: فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ خِلَافِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، فَقَالَ المَعْنَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾، وَأَمَّا مَعْنَى نِسْبَتِهِ إِلَى المَلَائِكَةِ: فَإِنَّهُ سُمِّيَتْ فِي القُرْآنِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ يَقَعُ عَلَيْهَا الحَمْدُ وَالذَّمُّ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ مَلَائِكَةٌ مَحْمُودَةٌ وَمَلَائِكَةٌ مَذْمُومَةٌ وَشَيَاطِينُ مَحْمُودَةٌ، وَشَيَاطِينُ مَذْمُومَةٌ، وَأُدُمٌ، وَأَئِمَّةٌ، وَدَوَابُّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، يُعْرَفُ المَحْمُودُ مِنْهَا مِنَ المَذْمُومِ بِقَرَائِنِهَا، وَنُظَرَائِهَا، وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا الحَمْدُ وَالذَّمُّ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: فَإِنَّ المَعْنَى تَعَالَى: مَا أَبْدَى وَلَا كَوَّنَ بِلَا وَاسِطَةٍ غَيْرَ الِاسْمِ، وَإِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمْ يُعَانِدْ إِلَّا الِاسْمَ حَسَدًا مِنْهُ لَهُ، فَقَالَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾: وَكَانَ لَمَّا عَصَى اللَّهَ وَأَنْكَرَ، جَعَلَهُ نَارًا، وَخَلَقَ مِنْ نَارِهِ نَارًا مُظْلِمَةً، فَكَانَتْ تِلْكَ الظُّلْمَةُ عُنْصُرَ العَالَمِ الأَسْوَدِ المُظْلِمِ وَعُنْصُرَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ﴾: وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ




