أَبْدَانُ المَسُوخِ صَارُوا مَسُوخًا، فَكَيْفَمَا انْقَلَبَ البَدَنُ، انْقَلَبَتْ مَعَهُ رُوحُهُ فِي صُورَةِ البَدَنِ الَّذِي يَلْبَسُهُ بَعْدَ المَمَاتِ، وَحِينَ الحَيَاةِ، لِأَنَّ صُورَةَ رُوحِ الكَافِرِ عَلَى قَدْرِ كُلِّ بَدَنٍ نَزَلَتْ فِيهِ، فَتَنْقَلِبُ صُورَتُهُ عَلَى البَدَنِ، فَكَانُوا أُنَاسًا حِينَ كَانُوا فِي أَبْدَانِ النَّاسِ، فَصَارُوا مَسُوخًا حِينَ صَارَتْ أَبْدَانُهُمْ أَبْدَانَ المَسُوخِ، فَكَيْفَمَا انْقَلَبَ البَدَنُ، انْقَلَبَتْ مَعَهُ الُّروحُ، فَصَارَتْ أَرْوَاحُهُمْ مَقْلُوبَةً فِي صُورَةٍ بَعْدَ صُورَةٍ وَالمُؤْمِنُونَ خُلِقُوا عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ صُورَةُ الإِنْسَانِ، كَمَا صَوَّرَهَا الرَّبُّ، لَمْ يَنْقَلِبُوا عَنْهَا أَبَدًا حَتَّى يَرَقَوْا إِلَى النُّورَانِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾: أَيْ فِي أَنْفُسِهِمْ، يَعْنِي الكَافِرِينَ، وَالمُؤْمِنُونَ لَيْسُوا سَوَاءً فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ، فَالحِجَابُ الَّذِي عَلَى قَلْبِ المُؤْمِنِ، هُوَ حِجَابُ الجَهْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا عَلَى المُؤْمِنِ مِنَ الشَّكِّ، وَالكَذِبِ وَالظَّنِّ وَالوَقْفَةِ، يَكُونُ مِنَ الحِجَابِ الَّذِي عَلَى قَلْبِهِ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الجَهْلِ، لَا عَلَى سَبِيلِ المُعَانَدَةِ، ثُمَّ يَصِيرُ المُؤْمِنُ إِلَى البَصِيرَةِ وَإِلَى الإِيمَانِ إِذَا انْكَشَفَ ذَلِكَ الحِجَابُ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ صَارَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ بَعْضٍ فِي الفَهْمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَذَلِكَ إِذَا رُفِعَ الحِجَابُ عَنْ بَعْضٍ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى يَبْلُغُوا إِلَى حِجَابِ الرِّفْعَةِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الكَافِرِينَ مِنْ تَكْذِيبٍ وَكُفْرٍ وَعِنَادٍ وَجُحُودٍ، يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ العِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ لَا عَنْ جَهْلٍ، فَيَزْدَادُونَ طُغْيَانًا، وَيُزَادُ عَلَيْهِمُ العَذَابُ وَالنَّكَالُ، إِلَى أَنْ يَحُلُّوا فِي المَسْخِ.




