وَرَمْزًا فِي تَعْلِيمِ السُّلُوكِ وَلَيْسَ يَعْنِي هَذَيْنِ النَّيِّرَيْنِ الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِمَا: إِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِهِ، وَلَوْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَوَّلًا أَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِهِ، هُمَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا آخِرًا، وَنَهَى عَنِ السُّجُودِ لَهُمَا، لَمَا جَازَ أَنْ يُثَنِّيَ بِذِكْرِهِمَا، بَلْ إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلشَّمْسِ وَالقَمَرِ اللَّذَيْنِ هُمَا رُؤَسَاءُ هَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ رَمْزًا وَتَحَجُّبًا، لِأَنَّ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- اسْتِعَارَةٌ، وَلَا اسْتِثْنَاءٌ بِهَذَا أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ الأَوَّلَيْنِ هُمَا ظُهُورَاتُهُ، وَمِنْ آيَاتِهِ، وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ اللَّذَيْنِ ثَنَّى بِهِمَا هُمَا عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ لَا يَجُوزُ لَهُمَا السُّجُودُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ الجُدَيْلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدِ": فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ اللَّذَانِ هُمَا أَشْرَفُ مَخْلُوقَاتِ البَارِي، وَهُمَا اللَّذَانِ يَمُدَّانِ العَالَمَ العُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ بِالنُّورِ وَالقُوَّةِ، وَهُمَا المُفِيضَانِ عَلَى جَمِيعِ الكَوْنِ، قَدْ نَهَى البَارِي تَعَالَى عَنِ السُّجُودِ لَهُمَا وَهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ البَارِي تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ إِلَّا لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، أَيْ إِنَّ المَعْنَى -عَزَّ وَجَلَّ- وَهُوَ أَمِيرُ النَّحْلِ، فَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ وَاسْجُدُوا لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مِنْ خِلْقَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الكَوْنِ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إِلَّا لِلْخَالِقِ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ أَرَادَ الأَزَلُ إِظْهَارَهَا، وَعَرَّفَ العَالَمَ مَنْزِلَتَهُ.




