قَالَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا مُفَضَّلُ إِنَّهُ لَمَّا أَبْدَأَ السَّمَاءَ وَهِيَ سَلْسَلٌ وَمُبْدِيهِ: هُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- ، أَقَامَهُ وَكَوَّنَ مِنْهُ الأَرْضَ: وَهُمُ الأَيْتَامُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- كَوَّنَهُمْ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ ثُمَّ كَشَفَ لَهُ المِيمُ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ ذَاتِهِ، فَعَايَنَهُ بِالعَظَمَةِ فَكَبَّرَهُ وَعَظَّمَهُ، وَجَارَ فِي إِدْرَاكِهِ، فَأَوْجَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ فَوْقَهُ غَايَةً، فَوَقَفَ وَارْتَقَبَ مَا أَوْجَدَهُ لِيَنَالَ مُرَادَهُ، فَظَهَرَ الأَزَلُ لَهُ فَأَوْجَدَهُ مَعْنَوْيَّتَهُ، فَسَلَّمَ لَهُ بِالإِخْلَاصِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي البَشَرِيَّةِ التُّرَابِيَّةِ، فَأَوْجَدَ أَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الأَرْضِ لِذَلِكَ الجِسْمِ وَالهَيْكَلِ، وَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ بِالبَشَرِيَّةِ، ظَهَرَ لَهُ بِالاسْتِيلَاءِ، وَهِيَ البَشَرِيَّةُ الَّتِي أَظْهَرَهُ بِهَا، فَقَالَ لِلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ نُورَانِيَّةٌ، وَالأَرْضِ وَهِيَ بَشَرِيَّةٌ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: فَكَانَ ذَلِكَ ظُهُورَهُ لَهُ، وَتَعْرِيفَهُ بِهِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ فَأَجَابَ فِي الشَّخْصَيْنِ جَمِيعًا بِالنُّورَانِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ، وَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ بِالبَشَرِيَّةِ كَانَتِ الإِجَابَةُ بِقَوْلِهِ: أَتَيْنَا طَائِعِينَ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ الأَيْتَامُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- .
وَقَالَ أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الجَانِّيَّةِ": فَبَاطِنُ الدُّخَانِ: أَنَّ البَابَ -مِنْهُ السَّلَامُ- كَانَ نُورًا، لِأَنَّ الدُّخَانَ مَثَلٌ عَلَى النُّورِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ جِسْمًا، وَإِنَّمَا كَانَ لَطِيفًا نُورَانِيًّا، وَالأَرْضُ مَضْرُوبَةٌ مَثَلًا عَلَى اليَتِيمِ الأَكْبَرِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أَجْمَعْنَا كُلُّنَا وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاصَى عَلَيْهِ




