قَالَ إِسْحَاقُ فِي كِتَابِ "الصِّرَاطُ": حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، إِفْرَادُ المَعْنَى بِالوُحْدَانِيَّةِ وَتَخْلِيصُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَرُوحِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهَا ذُرِّيَّةٌ مُحْدَثَةٌ مُكَوَّنَةٌ، نَصَبَهَا لِنَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ إِذَا أَظْهَرَهَا فِي العِيَانِ؛ لِيُوقِعَ صِفَةَ مَا أَظْهَرَهُ عَلَى حَقِيقَةٍ مَوْجُودَةٍ، وَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِهِ فِي التَّجْزِئَةِ فَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
وَقَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودُ صَالِحٍ الزَّلَّو -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "سَبِيلُ الهِدَايَةِ": فِي "مَجْمَعُ البَيَانِ" لِلطَّبْرِسِيِّ قَالَ: وَالقَبْضَةُ فِي اللُّغَةِ مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ كَفِّكَ.
أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ الأَرْضَ كُلَّهَا مَعَ عِظَمِهَا فِي مَقْدُورِهِ، كَالشَّيْءِ الَّذِي يَقْبِضُ عَلَيْهِ القَابِضُ بِكَفَّيْهِ، فَيَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ، وَهَذَا تَفْهِيمٌ لَنَا عَلَى عَادَةِ التَّخَاطُبِ فِيمَا بَيْنَنَا، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا فِي قَبْضَةِ فُلَانٍ، وَفِي يَدِ فُلَانٍ: إِذَا هَانَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾: أَيْ يَطْوِيهَا بِقُدْرَتِهِ، كَمَا يَطْوِي الوَاحِدُ مِنَّا الشَّيْءَ المَقْدُورَ لَهُ طَيُّهُ بِيَمِينِهِ، وَذِكْرُ اليَمِينِ لِلمُبَالَغَةِ فِي الِاقْتِدَارِ، وَالتَّحْقِيقِ لِلْمُلْكِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾(1).




